تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
رويّة وأبعد غاية وأدقّ مسلكا ، وليس الأمر كذلك وساري إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه والمكان الَّذى دخل عليه الخطاء من قبله . كان عليّ عليه السّلام لا يستعمل في حربه إلَّا ما وافق الكتاب والسنّة . وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسّنّة كما يستعمل الكتاب والسنة ، ويستعمل جميع المكائد حلالها وحرامها ويسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقي كسرى ، وخاقان إذا لاقي رتبيل . وعليّ عليه السّلام يقول : لا تبدأوا بالقتال حتّى يبدؤكم ، ولا تتبعوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تفتحوا بابا مغلقا ، وهذه سيرته في ذي الكلاع وفي أبي أعور السلَّمي ، وفي عمرو بن العاص ، وحبيب بن مسلمة وفي جميع الرّؤساء كسيرته في الحاشية والحشو والأتباع والسّفلة . وأصحاب الحروب إن قدروا على البيات تبيّتوا . وإن قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا وإن أمكن ذلك في طرفة عين ، ولم يؤخّروا الحرق إلى وقت الغرق ، وإن أمكن الهدم لم يتكلَّفوا الحصار ، ولم يدعوا أن ينصبوا المجانيق والعراوات والنّقب والشريب والدّبابات والكمين ، ولم يدعوا دسّ السّموم ولا التضريب بين النّاس بالكذب وطرح الكتب في عساكرهم بالسّعايات وتوهيم الأمور وايحاش بعضهم من بعض وقتلهم بكلّ آلة وحيلة كيف وقع القتل وكيف دارت بهم الحال . فمن اقتصر من التدبير حفظك اللَّه على ما في الكتاب والسنّة وكان قد منع نفسه الطويل العريض من التدّبير وما لا يتناهى من المكايد ، والكذب أكثر من الصّدق والحرام أكثر عددا من الحلال ، وكذلك الايمان والكفر والطاعة والمعصية والحقّ والباطل ، وكذلك الصّحة والسّقم والصّواب والخطاء . فعليّ عليه السّلام كان ملجما بالورع عن جميع القول إلَّا ما هو للَّه عزّ وجلّ رضى ، وممنوع اليدين عن كلّ بطش إلَّا ما هو للَّه رضى ، ولا يرى الرّضاء إلَّا فيما يرضاه اللَّه ويحبّه ، ولا يرى الرّضاء إلَّا فيما دلّ عليه الكتاب والسنّة دون ما يقول عليه أصحاب الدّهاء والنّكراء والمكايد والآراء .