تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
وقوله ( ولكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة ) قال الشّارح المعتزلي : حديث صحيح مرويّ عن النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أقول : وهو تنفير عن الغدر . ونحوه ما رواه في الكافي عن علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن النّوفلي عن السّكوني عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : يجيء كلّ غادر يوم القيامة بامام مايل شدقه حتّى يدخل النّار ، ويجيء كلّ ناكث بيعة إمام أجذم حتّى يدخل النّار ، هذا . ولمّا ذكر أنّ معاوية ليس بأدهى منه ونبّه على معرفته بطرق الدّهاء وخبرويّته بها أكَّده بقوله : ( واللَّه ما استغفل بالمكيدة ) أي لا يطمع في اغفالي بالكيد عليّ ، لأنّي أحذر من الغراب وإن كان الطامع في الكيد أروغ من الثّعلب ، فانّ من كان أعرف بطرق الخداع ووجوه التّدابير والحيل لا يتمكَّن من إغفاله ولا يلحقه الغفلة عمّا يراد في حقّه من الكيد والخديعة كما قال عليه السّلام في الكلام السّادس : واللَّه لا أكون كالضّبع تنام على طول اللَّدم حتّى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها . ( ولا استغمز بالشّديدة ) أي لا استضعف بالخطوب الشّديدة والدّواهي العظيمة لأنّى البطل الأهيس والحازم الأكيس والشّجاع الأسوس . فقد اتّضح كلّ الوضوح بما أتى به في هذا الكلام بطلان توهّم من زعم أنّ معاوية كان أدهى منه عليه السّلام وأصحّ تدبيرا . وقد بسط الكلام في هذا المرام أبو عثمان الجاحظ على أحسن تقرير وتبيان وفصّل الشارح المعتزلي تفصيلا عجيبا أحببت نقل ما قالا ، لأنه من لسانهما أحلى فأقول : أما الجاحظ فقد قال في محكيّ كلامه : وربما رأيت بعض من بطن بنفسه العقل والتحصيل والفهم والتمييز وهو من العامة ويظنّ أنه من الخاصة يزعم أنّ معاوية كان أبعد غورا وأصحّ فكرا وأجود