تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وقوله ( وأدّبتكم بسوطي ) الظاهر أنّه كناية عن تأديبه لهم بالأقوال الغير اللينة ( فلم تستقيموا ) على نهج الحقّ ( وحدوتكم بالزّواجر ) أي بالنواهى والابعادات ( فلم تستوسقوا ) أي لم تجتمعوا على التمكين والطاعة ( للَّه أنتم ) أي تعجّبا منكم ( أتتوقّعون إماما غيري ) استفهام على سبيل التقرير لغرض التقريع أو على سبيل الانكار والتوبيخ . فان قلت : إنّ الاستفهام الَّذي هو للانكار التوبيخي يقتضي أن يكون ما بعده واقعا مع أنهم لم يكونوا متوقّعين لامام غيره إذ قد علموا أنه لا إمام وراه . قلت : نعم انهم كانوا عالمين بذلك إلَّا أنهم لما لم يقوموا بمقتضى علمهم ولم يمحضوا الطاعة له عليه السّلام نزّلهم منزلة الجاهل المتوقّع لامام آخر ، فأنكر ذلك عليهم ولامهم عليه . وقوله عليه السّلام ( يطا بكم الطريق ) أي يذهب بكم في طريق النجاة ( ويرشدكم السبيل ) أي يهديكم إلى مستقيم الصّراط ( ألا إنّه قد أدبر من الدّنيا ما كان مقبلا ) وهو الصّلاح والرشاد الذي كان في أيام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أو في أيّام خلافته عليه السّلام فيكون إشارة إلى قرب ارتحاله من دار الفناء ( وأقبل منها ما كان مدبرا ) وهو الضلال والفساد الَّذي حصل باستيلاء معاوية على البلاد ( وأزمع الترحال ) أي عزم على الرحلة إلى دار القرار ( عباد اللَّه الأخيار وباعوا ) أي استبدلوا ( قليلا من الدّنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى ) . لا يخفى ما في هذه العبارة من اللَّطافة وحسن التعبير في التنفير عن الدّنيا والترغيب إلى الأخرى ، حيث وصف الأولى مع قلَّتها بالفناء ، ووصف الثانية مع كثرتها بالبقاء ومعلوم أنّ العقلاء لا يرضون الأولى بالثانية بدلا . وأكَّد هذا المعنى بقوله ( ما ضرّ إخواننا ) المؤمنين ( الَّذين سفكت دماؤهم بصفّين ألَّا يكونوا اليوم أحياء ) مثل حياتنا ( يسيغون الغصص ) ويتجرّعون الهموم من توارد الآلام ( ويشربون الرنق ) أي الكدر من كثرة مشاهدة المنكرات . ولما نفى تضرّرهم بعدم الحياة نبّه على ما حصل لهم من عظيم المنفعة بالممات
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 359 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي