يا ابن التراب ومأكول التّراب غدا
أقصر فإنّك مأكول ومشروب
وأما العلم فهو إنّما يكون كمالا إذا أوجب ارتفاع درجة العالم وقربه من الله سبحانه ، وإلَّا فالجهل منه أفضل البتّة ، وقد مضى في شرح الفصل الثّاني من الخطبة السّادسة والثّمانين ما فيه كفاية في ذم العلماء السّوء .
وأقول هنا مضافا إلى ما سبق : من أنّ العالم مهما خطر بخاطره عظم قدره بالإضافة إلى الجاهل فليتفكَّر في الخطر العظيم الذي هو بصدده ، فانّ خطره أعظم من خطر غيره كما أنّ قدره أعظم من قدر غيره ، فقد يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد ، وذلك لمكان علمه .
وقد ضرب الله مثلا للعالم العامل بغيره تارة بالحمار فقال : * ( « مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً » ) * وأخرى بالكلب فقال : * ( « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناه ُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَه ُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ » ) * إلى قوله * ( « فَمَثَلُه ُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْه ِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْه ُ يَلْهَثْ » ) * نزلت في بلعم بن باعور فقد اوتى اسم الأعظم وقال ابن عبّاس اوتى كتابا فأخلد إلى شهوات الأرض أي سكن حبّه إليها فمثّله بالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث أي سواء أتيته الحكمة أو لم اوته لا يدع شهوته .
ويكفى العالم هذا الخطر فبعد معرفته بأنّ الكبر لا يليق إلَّا بذات الله سبحانه وأنّه مختصّ به وعلمه بانّه إذا تكبّر يصير ممقوتا عنده تعالى بغيضا اليه محروما من قربه ، وبأنّ المطلوب منه الذّل والتّواضع وهو موجب لمحبّته تعالى ، فلا بدّ أن يكلَّف نفسه ما يحبّه مولاه وما فيه رضاه ، فهذا يزيل التكبّر عن قلبه .
ويمكن ازالته أيضا بالتفكَّر في أمور ثلاثة .
أحدها أن يلتفت إلى ما سبق من ذنوبه وخطاياه حتّى يصغر قدره في عينيه .
الثّاني أن يلاحظ لما هو فيه من وصف العلم من حيث إنه نعمة من الله سبحانه في حقّه فيرى ذلك منه تعالى حتّى لا يعجب بنفسه ، وإذا لم يعجب لم يتكبّر .