وكان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صعد المنبر يوما وذكر ما كانوا يتفاخرون ويتكبّرون به في الجاهليّة ، فقال : إنّه موضوع تحت قدمي إلى يوم القيامة ولم ينزل من المنبر حتى زوّج بنت عمّته صفيّة ابنة عبد المطلب من المقداد مع كونه من أفقر النّاس حالا وأقلَّهم مالا .
وقد سوّى بينهم أيضا في أعظم الأمور وأهمّها وهو أمر الدّماء فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : المسلمون اخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم .
فإذا كان دم السّلطان مساويا لدم الكنّاس فأىّ مزيّة له عليه .
فقد علم بذلك أن لا تفضيل في غير الورع والتّقوى والدّين وأنّه لا يجوز الافتخار والتفاخر به بل لا يجوز التفاخر بالتقوى أيضا ولا ينبغي المباهاة به .
ويؤمى إليه ما رواه الطبرسي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله : إنّ الله عزّ وجلّ جعل الخلق قسمين : فجعلني في خيرهم وذلك قوله : وأصحاب اليمين وأصحاب الشّمال فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين ، ثمّ جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا وذلك قوله وأصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة والسابقون السّابقون ، فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة وذلك قوله : * ( « وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ » ) * الآية ، فأنا أتقى ولد آدم ولا فخر وأكرمهم على الله ولا فخر ثمّ جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا وذلك قوله عزّ وجلّ : * ( « إِنَّما يُرِيدُ ا للهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » ) * فأنا وأهل بيتي مطهّرون من الذّنوب فانّ غرضه بذلك بيان شأنه للناس لا التفاخر ، ولهذا قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في المقامين : ولا فخر ، فبالغ في نفيه بلاء النافية للجنس .
والى هذا المعنى ينظر ما جاء في الحديث من أنّ الله سبحانه أوحى إلى موسى إذا جئت للمناجاة فاصحب معك من تكون خيرا منه ، فجعل موسى عليه السّلام لا يعترض أحدا وهو لا يجسر أن يقول إنّى خير منه ، فنزل عن الناس وشرع في أصناف الحيوانات حتى مرّ بكلب أجرب فقال : أصحب هذا ، فجعل في عنقه حبلا ثمّ مرّ به ، فلما كان به في بعض الطريق شمر الحبل وأرسله ، فلما جاء إلى مناجاة الرّبّ سبحانه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 95
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٩٥