ذليلا مفلسا .
واما القوة وشدة البطش فيكفي في المنع من التكبّر به أن يعلم ما سلَّط عليه من العلل والأمراض ، وأنّه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كلّ عاجز وأذلّ من كلّ ذليل ، وأنّه لو سلبه الذّباب شيئا لم يستنقذه منه ، وأنّ بقّة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في أذنه لقتلته ، وأنّ شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته ، وأنّ حمى يوم تحلَّل من قوّته ما لا ينجبر في مدّة ، فمن لا يطيق شوكة ولا يقاوم بقّة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة فلا ينبغي أن يفتخر بقوّته .
ثمّ إن قوى الانسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل ، وأىّ افتخار في صفة يسبقه فيها البهائم .
وأمّا الزهد والعبادة فيزول التكبّر بهما على الفاسق بالتفكَّر في سوء الخاتمة وحسنها ، فربّما يموت الفاسق ويختم له بالخير ، ويزلّ العابد فيختم له بالشرّ .
ألا ترى إلى برصيصاء عابد بني إسرائيل كيف سائت خاتمته على ما عرفت في شرح الفصل السّادس من الخطبة الثانية والثمانين .
وإلى خليع بني إسرائيل كيف حسنت عاقبته وكان من قصّته أنّه لكثرة فساده يسمّى خليع بني إسرائيل ، فمرّ يوما برجل يقال له عابد بني إسرائيل ، وكان على رأس العابد غمامة تظلَّله فلمّا مرّ الخليع به قال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل ، فلو جلست إليه لعلّ الله يرحمني ، فجلس إليه فقال العابد : أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل فكيف يجلس إلىّ ، فأنف منه وقال له : قم عنّي ، فأوحى الله إلى نبيّ ذلك الزّمان مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد ، وفي رواية أخرى فتحوّلت الغمامة إلى رأس الخليع .
وكيف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الأمور الَّتي يزعمها المتكبّر كمالا له ويتعزّز بها على غيره ليست كمالا في الحقيقة ، بل هي منقصة ووبال .
ويرشد إلى ما ذكرته ما روى عن النّبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إنّ الله سبحانه أوحى إليه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 100
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٠٠