ولو رأى أهل الدّنيا العبد المذنب في النّار لصعقوا من وحشة خلقته وقبح صورته ، ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه ، ولو وقعت قطرة من شرابه في بحار الدّنيا لصارت أشدّ عفونة من الجيفة .
فمن هذا حاله في العاقبة كيف يفرح ويبطر ، وكيف يتجبّر ويتكبّر ، وكيف يرى نفسه شيئا ، ويعتقد له فضلا ، وأىّ عبد لم يذنب ذنبا استحقّ به العقوبة إلَّا أن يعفو له الكريم بفضله ، ويغفره باحسانه ومنّه .
أرأيت من جنى على ملك قاهر قادر ، واستحقّ بجنايته القتل أو السيّاسة فجلس في السّجن وهو ينتظر أن يخرج إلى العرض ويقام عليه العقوبة على ملاء من الخلق ، وليس يدرى أيعفى عنه أم يعاقب ، كيف يكون ذلَّه ، أفترى أنه يتكبّر على من في السّجن ، وما من عبد مذنب إلَّا والدّنيا سجنه ، وقد استحقّ العقوبة من الله ولا يدرى كيف يكون آخر أمره فيكفيه لو تفكَّر ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلَّا .
وأما الثالث
فاعلم أنّ الغرض من خلقة الانسان هو العبوديّة والإطاعة ، قال تعالى : * ( « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » ) * فإذا لا فضل لأحد أفراد هذا النّوع على الآخر إلَّا بحصول ذلك الغرض منه أعنى القيام بوظائف العبوديّة ، وبه يترقّي إلى درجات الكمال ، ويتقرّب إلى الربّ المتعال ، ويكرم عنده كما قال عزّ من قائل : * ( « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ ا للهِ أَتْقاكُمْ » ) * .
يعني إنّ أكثركم عند الله ثوابا وأرفعكم عند الله منزلة أتقيكم لمعاصيه وأعملكم بطاعته .
روى الطبرسي في مجمع البيان في وجه نزول الآية أنّ ثابت بن قيس بن شماس كان في اذنه وقر ، وكان إذا دخل تفسّحوا له حتّى يقعد عند النّبيّ صلَّى الله عليه وآله فيسمع
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 93
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٩٣