ما يقول ، فدخل المسجد يوما والنّاس قد فرغوا من الصّلاة وأخذوا مكانهم ، فجعل يتخطَّى رقاب النّاس ويقول : تفسّحوا ، حتّى انتهى إلى رجل ، فقال له : أصبت مجلسا فاجلس ، فجلس خلفه مغضبا ، فلمّا انجلت الظَّلمة قال : من هذا قال الرّجل : أنا فلان ، فقال ثابت : ابن فلانة ذكر أمّا له كان يعيّر بها في الجاهليّة فنكس الرّجل رأسه حياء فقال صلوات الله وسلامه عليه وآله : من الذّاكر فلانة فقام ثابت فقال : أنا يا رسول الله ، فقال : انظر في وجوه القوم ، فنظر إليهم ، فقال : ما رأيت يا ثابت قال : رأيت أبيض وأحمر وأسود ، قال فانّك لا تفضّلهم إلَّا بالتقوى والدّين فنزلت هذه الآية .
وقيل لمّا كان يوم فتح مكَّة أمر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بلالا حتّى علا ظهر الكعبة وأذّن ، فقال عتاب بن أسيد : الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم ، وقال الحارث بن هشام : أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا ، وقال سهيل بن عمر : ان يرد الله شيئا لغيّره ، وقال أبو سفيان : إنّى لا أقول شيئا أخاف أن يخبره به ربّ السّماوات ، فأتى جبرئيل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فأخبره بما قالوا فدعاهم رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وسألهم عمّا قالوا فأقرّوا به ، ونزلت الآية وزجرهم عن التّفاخر بالأنساب والازراء بالفقر والتكاثر بالأموال .
فقد ظهر بذلك أنّ جهة الفضل في أفراد النّوع الانساني منحصرة في الورع والتقوى فقط .
ويدلّ عليه أيضا ما روى أنّ رجلا سأل عيسى بن مريم أىّ النّاس أفضل فأخذ قبضتين من التّراب فقال : أىّ هاتين أفضل ، النّاس خلقوا من تراب ، فأكرمهم أتقيهم .
وكان أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا عوتب على التّسوية في العطاء وعدم التفضيل لاولى السابقات والشّرف من المهاجرين والأنصار على غيرهم ، واعترض عليه بعدم ترجيح المولى على العبيد وعدم التّفرقة بين الأبيض والأسود أجاب عليه السّلام بقوله : إنّى نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 94
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٩٤