تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
فانظر إلى عظم ما أنعم الله سبحانه به عليه حيث نقله من حالة الذّلة والقلَّة والخسّة والقذارة إلى رتبة العزّ والشّرف والرّحمة والكرامة ، فصار موجودا بعد العدم ، وحيّا بعد الموت ، وناطقا بعد البكم ، وبصيرا بعد العمى ، وقويّا بعد الضّعف وعالما بعد الجهل ، ومهديّا بعد الضّلال ، فكان في ذاته لا شيء وأيّ شيء أخسّ وأحقر من لا شيء ، وأىّ قلَّة أقلّ من العدم المحض ، ثمّ صار بالله شيئا وإنّما خلقه من التراب الذّليل الَّذي يوطأ بالأقدام ، والنطفة القذرة ليعرّفه خسّة نفسه ومهانة ذاته ، وأكمل النعمة عليه ليعرف بها ربّه ، ويعلم عظمة بارئه وجلالة مبدئه وأنّه لا يليق الكبرياء والجلال إلَّا بحضرة ربوبيّته . فمن كان هذا بدؤه وهذا حاله كيف يسوغ له البطر والكبر والخيلاء والفخر نعم هذه عادة الخسيس إذا رفع من خسّته شمخ بأنفه وتعظَّم . ولو أكمله وفوّض إليه أموره وأدام له الوجود باختياره لكان أكثر من ذلك يطغى ونسي المبدأ والمنتهى ، ولكنّه سلَّط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة ، والآلام المختلفة ، والطَّبائع المتضادّة من الصّفراء والسّوداء والبلغم والدّم يهدم بعضها بعضا شاء أم أبى ، رضى أم سخط ، فيجوع كرها ، ويعطش كرها ، ويمرض كرها ، ويموت كرها ، لا يملك لنفسه خيرا ولا شرّا ولا نفعا ولا ضرّا ، يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، ويريد أن يذكر الشيء فينساه ، ويريد أن ينسى الشيء ويغفل عنه فلا يغفل عنه ، ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمّه فيحول في أودية الوساوس والأفكار بالاضطرار فلا تملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه ، ويشتهى الشيء فربما يكون هلاكه فيه ، ويكره الشيء وربّما يكون حياته فيه ، يستلذّ الأطعمة وهى تهلكه وترديه ، ويستبشع الأدوية وهى تنفعه وتحييه ، ولا يأمن في لحظة من ليله ولا نهاره أن يسلب سمعه وبصره وتفلج أعضائه ويختلس عقله ويختطف ويسلب جميع ما يهواه في دنياه ، فهو مضطَّر ذليل إن ترك بقي وإن اختطف فنى ، عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا على شيء من غيره ، فأىّ شيء أذلّ منه لو عرف نفسه وانّي يليق الكبر لولا جهله ، فهذا أوسط أحواله