تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
واما الجيفة الأخيرة فانّه بعذر هوق روحه يكون ميتة أخبث وأنجس وأوحش من ميتة الكلب والخنزير ، وذلك لأنّ مسّ ميتة الكلب بالرّطوبة لا يوجب إلَّا غسل اليد وتطهيرها بخلاف مسّ ميتة الانسان فقد أوجب الشارع فيه مضافا إلى تطهير الملاقي غسل المسّ مبالغة في خبث جيفته وقذارته ، وترى الأحياء أوحشوا جانب الميّت وتجنّبوا عنه وخافوا منه ولا يخافون من ميتة سائر الحيوانات ولا يستوحشون منها واما كونه حامل الجيف فهو أظهر من أن يذكر لأنّه أخسّ من جمار يحمل العذرة ، لأنّ الحمار يحملها اضطرارا وبالاجبار والانسان يحملها بالرّضا ، والاختيار وهو يحملها على الظَّهر وهذا على البطن ، وإلى هذه الحالات الثلاث وما بعدها أشير في قوله سبحانه : * ( « قُتِلَ الإِنْسانُ ما أَكْفَرَه ُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه ُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَه ُ فَقَدَّرَه ُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه ُ ثُمَّ أَماتَه ُ فَأَقْبَرَه ُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَه ُ » ) * فقد أشارت الآية إلى أوّل خلق الانسان وإلى آخر أمره وإلى وسطه ، فليفهم معناها وليتفكَّر في مغزاها . فقد أتى عليه حين من الدّهر لم يكن شيئا مذكورا ، وقد كان في حيّز العدم وأيّ شيء أخسّ وأقلّ من المحو والعدم ، فبدء الله بخلقه من أرذل الأشياء ثمّ من أقذرها إذ خلقه من سلالة من طين ثمّ من ماء مهين ثمّ من علقة ثمّ من مضغة ثمّ جعله عظاما فكسى العظام لحما ، فهذا بداية وجوده . وما صار شيئا مذكورا إلَّا وهو على أخسّ الأوصاف وأرذلها إذ لم يخلق كاملا بل خلقه جمادا ميّتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحسّ ولا يشعر ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يفهم ولا يميّز ولا يعلم فبدء بموته قبل حياته ، وبضعفه قبل قوّته ، وبعجزه قبل قدرته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلاله قبل هداه ، وفقره قبل غناه . فهذا معنى قوله * ( « مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه ُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَه ُ فَقَدَّرَه ُ » ) * ثمّ امتنّ عليه فقال : * ( « ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه ُ » ) * أي يسّر له سبيل الخير والشرّ وأرشده إلى طريق الضّلال والهدى يسلك الأوّل ويترك الثّاني كما قال : * ( « إِنَّا هَدَيْناه ُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » ) * وقال : * ( « وَهَدَيْناه ُ النَّجْدَيْنِ » ) * .