ولمّا خوّفهم من طول الأمل عقّبه بالارشاد والدّلالة على ما فيه صلاحهم فقال ( أيّها النّاس إنّه من استنصح الله وفّق ) أي من اتّخذ الله ناصحا له واعيا لكلامه حافظا لأوامره ونواهيه وفّق لكلّ خير ( ومن اتّخذ قوله دليلا ) في مطالبه ومقاصده ( هدى ل ) لطريقة ( الَّتي هي أقوم ) الطَّرق وأنهجها .
وفي هذه القرينة تلميح إلى قوله تعالى : * ( « إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » ) * قال الطَّبرسي : يهدي إلى الديانة والملَّة والطريقة الَّتي هي أشدّ استقامة يقال هذه الطريق وللطَّريق وإلى الظَّريق ، وقيل : معناه يرشد إلى الكلمة الَّتي هي أعدل الكلمات وأصوبها وهى كلمة التّوحيد ، وقيل : يهدى إلى الحال الَّتي هي أعدل الحالات وهي توحيد الله والايمان به وبرسله والعمل بطاعته انتهى .
والأخير أظهر بمقتضى عموم وظيفته ، وفي تفسير أهل البيت عليهم السّلام أنه يهدى إلى الامام ، في رواية أخرى يهدى إلى الولاية .
ولما ذكر أنّ استنصاح الله يستلزم التّوفيق واتخاذ قوله دليلا يستلزم الهدى رتب عليه قوله : ( فإنّ جار الله آمن ) تنبيها على ثمرة التوفيق والهداية وهو حصول الجوار من الله والقرب المحصّل لأمنه ( و ) به يعرف أنّ ( عدوّ الله خائف ) لأنّ ترك استنصاحه تعالى مستلزم للخذلان وعدم اتّخاذ قوله دليلا موجب للضلال المبعدين عنه سبحانه والجالبين لعداوته الذي هو محلّ الخوف والخطر .
الفصل الرابع في الأمر بالتّواضع والتّسليم والانقياد لله سبحانه
وبالمتابعة لأولياء الدّين والرجوع إليهم والأخذ منهم وهو قوله ( وإنّه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله ) سبحانه وجلاله وجبروته وسلطانه ( أن يتعظَّم ) أي يظهر العظمة ويتكبّر ، وتخصيص النّهى عن التعظَّم بمن عرف عظمته تعالى لاحتقاره نفسه عند ملاحظته لنفسه ونسبته لها إلى جلاله تعالى ، فهو أسرع انفعالا وأحقر في نفسه أن يتكبّر على الله .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 72
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٧٢