ثمّ بيان غاية تلك الغاية ، والإشارة إلى البعثة بقوله : فبعث إلى قوله : بالحقّ ، وأشار إلى غايتها بقوله : ليخرج إلى طاعته ، وأشار إلى سبب تلك الغاية بقوله : بقرآن قد بيّنه ، وأشار إلى غاية تلك الغاية أعني غاية طاعة الله بقوله : ليعلم العباد إلى قوله : أنكروه ، انتهى .
وأنت خبير بأنّ طاعة الله سبحانه وعبادته إنّما تحصل بعد حصول العلم بالرّب ، لأنّها فرع الدّين وهذا أصله والأصل مقدّم على الفرع فكيف يمكن جعله غاية لها وما هو إلَّا من مفاسد قلَّة التدبّر .
( وليقرّوا به بعد إذ جحدوه وليثبتوه بعد إذ أنكروه ) إن كان المراد بالاقرار الاقرار باللَّسان وحده وبالاثبات الاثبات بالجنان يكون عطف الجملة الثّانية على الأولى من باب التأسيس ، وإن أريد بكلّ منهما الأعمّ فالمعنى بالجملتين واحد والاختلاف في العبارة ، والاتيان بهما للتفنّن وعلى أيّ تقدير فالاثبات والاقرار من جنود العقل ، والجحود والانكار من جنود الجهل كما يفيده الحديث المرويّ في الكافي في باب العقل والجهل عن أبي عبد الله عليه السّلام هذا .
ولما ذكر أنّ بالقرآن يحصل العلم بالرّب سبحانه والاقرار به وإثباته أشار إلى كيفيّة حصول هذا العلم بقوله : ( فتجلَّى لهم سبحانه ) أي ظهر ظهورا بيّنا ( في كتابه ) ربما يفسّر الكتاب هنا بعالم الايجاد ولما كان لفظ التجلَّى موهما للظَّهور برؤية البصر اتبعه بقوله ( من غير أن يكونوا رأوه ) من باب الاحتراس الذي عرفته في المحاسن البديعيّة من ديباجة الشّرح يعني أنّه سبحانه تجلَّى لعباده وظهر لهم لا برؤية البصر بل برؤية البصيرة ( بما أراهم من قدرته ) وذكَّرهم من بدائع مصنوعاته وحكمته وعجائب مبدعاته وصنعته كما قال عزّ من قائل : * ( « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ ا للهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِه ِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » ) * وقال * ( « وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 67
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٦٧