وإنّما ينشئان منهما بتعلَّق مشيّة الفاعل المختار وتدبير الحكيم المدبّر سبحانه وعلى ذلك فاللَّازم على العباد في الدّاهية والنّاد أن تقرعوا بأيدي السّؤال والذلّ والابتهال بابه ، ويتوجّهوا في انجاح الآمال إلى جنابه عزّ وجلّ .
وهو قوله : ( ألا وإنّ الأرض الَّتي تحملكم والسّماء الَّتي تظلَّكم ) أي تعلوكم وتشرف عليكم أو تلقى إليكم ظلَّها والمراد بالسّماء إمّا معناها المجازى أعنى السّحاب ، أو الحقيقي باعتبار أنّ زوال المطر من السّماء لا لكون السّماوات بحركاتها أسبابا معدّة لكلّ ما في هذا العالم من الحوادث كما زعمه الشّارح البحراني .
ويؤيّد الثّاني ظواهر الآيات التي تدلّ على نزول المطر من السّماء مثل قوله سبحانه : * ( « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً » ) * وقوله : * ( « وَا للهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً » ) * ونحوها مما يقرب عشرين آية .
ويؤيّد الأوّل ظاهر قوله سبحانه : * ( « ا للهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناه ُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِه ِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » ) * وقوله : * ( « وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه ِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناه ُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِه ِ الْماءَ » ) * الآية .
ويدلّ على الاحتمالين ما في البحار من علل الشّرائع للصّدوق عن أبيه عن الحميري عن هارون عن ابن صدقة عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهم السّلام قال : كان عليّ عليه السّلام يقوم في المطر أوّل مطر يمطر حتّى يبتلّ رأسه ولحيته وثيابه فيقال له : يا أمير المؤمنين الكنّ الكنّ فيقول : إنّ هذا ماء قريب العهد بالعرش ثمّ أنشأ عليه السّلام يحدّث فقال إنّ تحت العرش بحرا فيه ماء ينبت به أرزاق الحيوانات وإذا أراد الله أن ينبت به ما يشاء لهم رحمة منه أوحى الله عزّ وجلّ فمطر منه ما شاء من سماء إلى سماء حتّى يصير إلى السّماء الدنيا ، فتلقيه إلى السّحاب والسّحاب بمنزلة الغربال ثمّ يوحى الله عزّ وجلّ إلى السّحاب أن اطحنيه واذيبيه ذوبان الملح في الماء ثم انطلقي به إلى موضع كذا وكذا وعبابا أو غير عباب ، فتقطر عليهم على النحو الذي يأمرها به فليس من قطرة تقطر إلَّا ومعها ملك حتّى تضعها بموضعها ، الحديث .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 6
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٦