لأنها توكيد وتحقيق وبيان لما سبق ، وفيه زيادة تثبيت له .
والمراد بها أنّ الانسان لا يكون مشغولا بنوع من اللَّذات الجسمانية إلَّا وهو تارك لغيره ، وما استلزم مفارقة نعمة أخرى لا يعدّ في الحقيقة نعمة ملتذا بها .
توضيح ذلك ما أشار إليه الشّارح البحراني : من أنّ كلّ نوع من نعمة فإنما يتجدّد شخص منها ويلتذّبه بعد مفارقة مثله ، كلذّة اللَّقمة مثلا ، فانّها تستدعى فوت اللَّذة بأختها السّابقة ، وكذلك لذّة ملبوس شخصي أو مركوب شخصي وسائر ما يعدّ نعما دنيويّة ملتذّا بها ، فانّها إنّما تحصل بعد مفارقة ما سبق من أمثالها ، بل وأعمّ من ذلك فانّ الانسان لا يتهيّأ له الجمع بين الملاذّ الجسمانيّة في وقت واحد ، بل ولا اثنين منها ، فإنه حال ما يكون آكلا لا يكون مجامعا وحال ما هو في لذّة الأكل لا يكون يلتذّ بمشروب ، ولا حال ما يكون خاليا على فراشه الوثير يكون راكبا للنزهة ونحو ذلك .
( ولا يعمّر معمّر منكم يوما من عمره إلَّا بهدم آخر من أجله ) لظهور أنّ بقائك إلى الغد مثلا لا يحصل إلَّا بانقضاء اليوم الذي أنت فيه وهو من جملة أيّام عمرك وبانقضائه ينقص يوم من عمرك ، وتقرب إلى الموت بمقدار يوم ، واللَّذة بالبقاء المستلزم للقرب من الموت ليست لذّة في الحقيقة ( ولا تجدّد له زيادة في أكله إلَّا بنفاد ما قبلها من رزقه ) أي من رزقه المعلوم أنّه رزقه وهو ما وصل إلى جوفه مثلا ، فانّ ما لم يصل جاز أن يكون رزقا لغيره ، ومن المعلوم أنّ الانسان لا يأكل لقمة إلَّا بعد الفراغ من أكل اللَّقمة الَّتي قبلها فهو إذا لا يتجدّد له زيادة في أكله إلَّا بنفاد رزقه السّابق وما استلزم نفاد الرّزق لا يكون لذيذا في الحقيقة .
( ولا يحيى له أثر الَّا مات له أثر ) قال الشّارح البحراني : أراد بالأثر الذكر أو الفعل ، فانّ ما كان يعرف به الانسان في وقت ما من فعل محمود أو مذموم أو ذكر حسن أو قبيح ويحيى له بين النّاس يموت منه ما كان معروفا به قبله من الآثار وينسى .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 46
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤٦