أي معزوم عليها أي مقطوع معلوم بيقين صحّتها ، ويجيء فاعلة بمعنى مفعولة كثيرا كقولهم : عيشة راضية بمعنى مرضيّة ، ثمّ قال : والأوّل أظهر عندي ، لأنّ في مقابلته قوله : وانّ محدثاتها شرارها ، والمحدث في مقابلة القديم .
الاعراب
قوله : فما بقاء فرع ، الفاء فصيحة والاستفهام إمّا للتّعجب كما في قوله تعالى : * ( « وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما » ) * أو للتحقير .
المعنى
اعلم أنّ مقصوده بهذه الخطبة التنفير عن الدّنيا والترغيب عنها بالتنبيه على معايبها ومثالبها المنفرة منها فقوله ( أيّها النّاس انما أنتم في هذه الدّنيا غرض ) من باب التشبيه البليغ ورشّح التشبيه بقوله ( تنتضل فيه المنايا ) وهي استعارة بالكناية حيث شبّه المنايا بالمتناضلين بالسّهام باعتبار قصدها للانسان كقصد المتناضلين للهدف ، وذكر الانتضال تخييل ، والمعنى أنكم في هذه الدّنيا بمنزلة هدف تترامى فيه المنايا بسهامها ، وسهامها هي الأعراض والأمراض ، وجمع المنايا إما باعتبار تعدّد الأسباب من الغرق والحرق والتردّى في بئر والسّقوط من حائط ونحوها ، وإمّا باعتبار تعدّد من تعرض عليه وكثرة أفراد الأموات ، ولكلّ نفس موت مخصّص بها .
( مع كلّ جرعة شرق وفي كلّ اكلة غصص ) قال الشّارح البحراني : كنّى بالجرعة والاكلة عن لذّات الدّنيا ، وبالشرق والغصص عما في كلّ منها في ثبوت الكدورات اللَّازمة لها طبعا من الأمراض والمخاوف وساير المنقصات لها .
أقول : ومحصّل مراده عليه السّلام أنّ صحتها مقرونة بالمحنة ، ونعمتها مشفوعة بالنقمة واحسانها معقبة بالإسائة ، ولذّتها مشوبة بالكدورة .
ولكمال الاتصال بين هذه الجملة وبين الجملة التالية لها أعني قوله ( لا تنالون منها نعمة إلَّا بفراق أخرى ) وصل بينهما ولم يفصل بالعاطف ، فإنه لما أشار إلى أنّ الدّنيا رنق المشرب ردغ المشرع لذّاتها مشوبة بالكدورات عقّبه بهذه الجملة ،
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 45
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤٥