وجماعة معدودة أحبّوا الدّنيا واستغواهم الشّيطان ، وهم معدودون في كتب أصحابنا من اشتغل بعلوم السيرة والتواريخ عرفهم بأعيانهم انتهى كلامه .
أقول : ولا يبعد عندي أن يعنى عليه السّلام به المتقدّمين ذكرهم في أوّل الخطبة واستبعاد الشارح له بظهور لفظ كأنّى أنظر في حقّ من لم يوجد بعد لا وجه له ، لامكان أن يقال : إنّ نظره في الاتيان بهذا اللَّفظ إلى الغاية أعني قوله : حتى شابت عليه مفارقه ، وبعبارة أخرى سلَّمنا ظهور هذا اللفظ في حقّ ما لم يوجد إلَّا أنّ مراده عليه السّلام به ليس نفس الفاسق حتّى يقال إنه كان موجودا في زمانه عليه السّلام ، وإنّما مراده بذلك الاخبار عن استمرار الفاسق في فسقه وتماديه في المنكرات إلى آخر عمره ، وهذا الوصف للفاسق لم يكن موجودا ، فحسن التعبير بهذه اللفظة فافهم جيدا وأما استيحاشه من أن يعنى به الصحابة بأنهم ما آثروا العاجل إلى آخر ما ذكره فهو أوضح فسادا لأنّه لولا اختيارهم الدّنيا على الأخرى لم يعدلوا عن امام الورى ، فعدو لهم عنه دليل على أنهم اشتروا الضلالة بالهدى ، وآثروا العاجل ، وأخّروا الآجل وقد تركوا الشرب من الماء المعين ، ومنهل علوم ربّ العالمين ، واستبدّوا بعقولهم الكاسدة ، وارتووا من آرائهم اللَّاجنة الفاسدة ، ومصاحبتهم جميعا للمنكر بالبدعات التي أحدثوها واضحة ، واقبال فاسقهم كالتيار والنار لا يبالي مما غرق وحرق لا غبار عليه وما فعل عثمان من ضرب ابن مسعود وكسر بعض أضلاعه ، وضرب عمار وإحداث الفتق فيه ، وضربه لأبي ذرّ وإخراجه إلى الرّبذة ونحوها مما تقدّم ذكرها في شرح الكلام الثالث والأربعين وغيره شاهد صدق على ما قلناه .
وكذلك اجتماعه مع « بنى ظ » أبيه إلى الحطام ومشاحتهم على الحرام وحضمهم لمال الله خضم الإبل نبته الرّبيع على ما تقدّم في شرح الخطبة الثالثة أوضح دليل على ما ذكرنا فبعدولهم جميعا عن الله وعن وليّه صرفوا وجوههم عن الجنّة ، وأقبلوا بأعمالهم إلى النار ، فاستحقّوا الخزي العظيم والعذاب الأليم في أسفل درك من الجحيم .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 42
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤٢