( وأبعدها من رضوان اللَّه ) لأنّ الطالب فيها لتحصيل رضوانه وللانتفاع بقيناتها في سلوك سبيله قليل ( فغضّوا عنكم عباد اللَّه ) وكفّوا عن أنفسكم واخرجوا عن قلوبكم ( غمومها وأشغالها لما قد أيقنتم به من فراقها وتصرّف حالاتها ) يعني أنّ الغمّ والاشتغال انما يحسن أن يوجها نحو ما يبقى دون ما يفنى مع أنّ الاشتغال بما يفنى شاغل عن الاشتغال بما يبقى ، وهو ليس فعل العاقل .
وروى في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يحيى بن عقبة الأزدي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال قال أبو جعفر عليه السّلام مثل الحريص على الدّنيا مثل دودة القزّ كلَّما زادت من القزّ على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا .
وقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيرا .
وقال : لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت ( فاحذروها ) على أنفسكم ( حذر الشفيق الناصح ) على شفيقه ( و ) حذر ( المجدّ الكادح ) من خيبة سعيه .
روى في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن عبد اللَّه بن المغيرة عن غياث ابن إبراهيم عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : إنّ في كتاب عليّ عليه السّلام إنما مثل الدّنيا كمثل الحيّة ما ألين مسّها وفي جوفها السمّ النافع يحذرها الرجل العاقل ، ويهوى إليها الصّبيّ الجاهل .
( واعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون ) الماضية ( قبلكم ) فإنكم عمّا قليل لاحقون بهم وصائرون مثلهم ( قد تزايلت أوصالهم ) وأعضائهم ( وزالت أسماعهم وأبصارهم ) وجرت أحداقهم على الخدود ، وسالت أفواههم ومناخرهم بالقيح والصديد ( وذهب شرفهم وعزّهم وانقطع سرورهم ونعيمهم ) فلا تنظر إلى طيب عيشهم ولين رياشهم ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم .
يا راقد اللَّيل مسرورا بأوّله
إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
أفنى القرون التي كانت منعّمة
كرّ الجديدان إقبالا وإدبارا