تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢

على ما فرّط ولا ينفعه النّدم . وبهذا التّقرير انقدح لك وجه المطابقة بين المثال والممثّل . بيانه أنّ ذلك النشأة المشوبة بالكدورات والعلايق الظَّلمانية البدنيّة بمنزلة اللَّيل ، والنّشأة الاخرويّة المطابقة لتلك النشأة الَّتي هي دار التجرّد الصّافية عن الكدورات والعلاقات بمنزلة الصّباح الواقع عقيب اللَّيل ، والوطن الأصلي للانسان هي الدّار الآخرة ، وهو في الدّنيا بمنزلة المسافر ، فمن ترك الدّنيا وجدّ في السّير إلى الآخرة بالمواظبة على الطَّاعات والرّياضات الشّاقّة الموصلة له إليها وصل إلى مقصده ، ونزل في غرفات الجنان ، وفيهنّ خيرات حسان فعند ذلك يكون محمودا مسرورا عند نفسه وعند الخالق والخلايق لما صبر على مشاقّ الدّنيا ومقاساة الشّدائد . ومن أخذه نوم الغفلة فيها واغترّ باللَّذات الحاضرة والشهوات العاجلة ، ورد الآخرة وليس له مقام إلَّا سجّين ، ولا شراب وطعام إلَّا من حميم وغسلين ، فعند ذلك يلومه نفسه وغيره ويندم على تقصيره ، ويقعد ملوما محسورا ويدعو ثبورا تذييلان - الأول قد مضى في مقدّمات شرح الخطبة الشقشقيّة وفي غيرها بعض الكلام في زهد أمير المؤمنين عليه السّلام ، وأقول هنا مضافا إلى ما سبق : روى في عدّة الدّاعي عن خبير بن حبيب قال : نزل بعمر بن خطَّاب نازلة قام لها وقعد ، وتربخ لها وتقطر ( 1 ) ثمّ قال : يا معشر المهاجرين ما عندكم فيها قالوا : يا أمير المؤمنين أنت المفزع والمنزل ، فغضب وقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا ا للهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ) * ، أما واللَّه إنّا وإيّاكم لنعرف ابن بجدتها ( 2 ) والخبير

هامش
( 1 ) تربخ بالباء الموحدة والخاء المعجمة استرخى ، وتقطر تهيأ للقتال ورمى بنفسه من علو ، ق .
( 2 ) ابن بجدتها بالباء والجيم يقال : بالعالم بالشئ ، وللدليل الهادي ، ولمن لا يبرح عن قوله هكذا في ق