نحن فيه شعفا منّي بذكر مآثر أمير المؤمنين وزوجته والطَّيّبين من أولادهما سلام اللَّه عليهم ، وفيما رويناه من الفضل الَّذي تخصّصوا به ما لم يشركهم فيه أحد ولا ساواهم في نظير له مساو .
الثالث ما في الصافي من الأمالي عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أنه جاء إليه رجل فشكى إليه الجوع ، فبعث رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إلى بيوت أزواجه فقال : ما عندنا إلَّا ماء ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من لهذا الرّجل اللَّيلة فقال عليّ بن أبي طالب : أنا له يا رسول اللَّه وأتا فاطمة عليها السلام فقال لها : ما عندك يا ابنة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقالت : ما عندنا إلَّا قوت العشيّة لكنا نؤثر ضيفنا ، فقال : يا ابنة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله نومى الصبيّة وأطفى المصباح ، فلما أصبح عليّ عليه السّلام غدا على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فأخبره الخبر ، فلم يبرح حتى أنزل اللَّه عزّ وجلّ * ( « وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِه ِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » ) * هذا .
وقد ظهر لك ممّا تضمنّته هذه الرّوايات الثلاث الذي هو أنموذج ممّا تضمّنته ساير الرّوايات كيفيّة عيش رسول اللَّه مع خواصّه في دار الدّنيا وزهدهم فيها وايثارهم الآخرة على الأولى وأنّها قبضت عنه وعن أهل بيته ( وزويت ) أي صرفت ونحيت ( عنه زخارفها ) وزينتها ( مع عظيم ) تقرّبه و ( زلفته فلينظر ناظر بعقله ) أنه لو يكون في الدّنيا والاكثار منها خير لم يفت هؤلاء الأكياس الذين هم أقرب الخلق إلى اللَّه وخاصّته وحججه على ساير الناس ، بل تقرّبوا إليه سبحانه بالبعد عنها ، وتحبّبوا إليه تعالى بالبغض لها .
وليتفكَّر بفكرة سليمة أنه ( أكرم اللَّه تعالى محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله ) وساير أنبيائه وأوليائه ( بذلك ) الضيق في الدّنيا والاعسار فيها ( أم أهانه ) وأهانهم .
( فان قال أهانه ) وإيّاهم ( فقد كذب والعظيم ) ضرورة أنّ أحقر ملك من ملوك الدّنيا لا يقصد بأحد من خاصّته إذا كان مطيعا له منقادا لأمره مخلصا في طاعته الإهانة فكيف يصدر ذلك عن ملك السلوك وسلطان السلاطين حكيم الحكماء ورحيم الرحماء في حقّ أخصّ خواصّه وأقربهم إليه وأشدّهم زلفة عنده وأكثرهم
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 389
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٨٩