تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
وقال عبد اللَّه بن عمر : مرّ علينا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ونحن نعالج خصّا ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ما هذا قلنا : خصّ لنا قد وهى ، فقال : أرى الأمر أعجل من ذلك . وقال الغزالي : وقال النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله من بنى فوق ما يكفيه كلَّف أن يحمله يوم القيامة ، هذا . ولمّا فرغ من التزهيد في الدّنيا والتّرغيب في الآخرة بالتّنبيه على هوانها وحقارتها بما لا مزيد عليه ، وبشرح حال أولياء الدّين من خاتم النّبيّين وساير الأنبياء والمرسلين سلام اللَّه عليهم أجمعين في رفضهم لها وتركهم ايّاها ، أردف ذلك بالإشارة إلى زهده وإظهار غاية الامتنان من اللَّه سبحانه في إنعامه عزّ وجلّ عليه عليه السّلام بالتّأسّي بنبيّه فقال : ( فما أعظم نعمة اللَّه عندنا حين أنعم علينا به ) أي برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ( سلفا نتّبعه وقائدا نطا عقبه ) ونقفو أثره ونسلك سبيله في زهده . وأوضح اتّباعه وتأسّيه به صلَّى اللَّه عليه وآله بالإشارة إلى بعض مراتب زهده فانّه أنموذج من ساير المراتب ، وفيه عبرة لمن اعتبر ، وكفاية لمن تذكَّر ، فقال : ( واللَّه لقد رقعت مدرعتى هذه ) وهو ثوب من صوف يتدرّع به ( حتّى استحييت من راقعها ) لكثرة رقاعها ( ولقد قال لي قائل ) لمّا رأى أنّها خلق وسمل ( ألا تنبذها ) وتطرحها ( عنك فقلت ) له ( اعزب ) أي غب وتباعد ( عنّي فعند الصّباح يحمد القوم السّرى ) وهو مثل يضرب لمن احتمل المشقّة عاجلا لينال الرّاحة آجلا . وأصله أنّ المسافر إذا احتمل المشقّة وحرّم على نفسه لذة الرّقاد وبادر إلى السّرى من أوّل اللَّيل وجدّ في سيره فانّه يبلغ عند الصّباح منزله ويصل إليه سالما غانما وينزل أحسن المنازل وأشرفها مقدّما على غيره ، ويستريح من تعب اللَّيل ويكون محمودا ، بخلاف من أخذه نوم الغفلة وآثر اللَّذة العاجلة على الآجلة ، فانّه إذا سرى في آخر اللَّيل وفي أخريات النّاس فانّه ربما يغيله اللَّصوص فلا يسلم أو يضلّ عن الطَّريق فيعطب ، ومع سلامته يكون مسيره في حرّ النّهار على وصب وتعب ، فيصل إلى المنزل بعد ما سبق غيره إلى أحسنه وأشرفه ، فلا يجد له منزلا ومقيلا إلَّا أردء المنازل وأدونها ، فعند ذلك يلوم نفسه بتفريطه ، ويذمّه غيره ويندم