تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
منزّها عن المقابلة والجهة والمكان . قال الاعرابي في كتاب إكمال الاكمال ناقلا عن بعض علمائهم إنّ رؤيته تعالى جايزة في الدّنيا عقلا ، واختلف في وقوعها وفي أنّه هل رآه النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ليلة الاسرى أم لا ، فأنكرته عايشة وجماعة من الصّحابة والتّابعين والمتكلَّمين ، وأثبت ذلك ابن عباس ، وقال : إنّ اللَّه اختصّه بالرّؤية وموسى بالكلام وإبراهيم بالخلَّة ، وأخذ به جماعة من السّلف ، والأشعريّ ، وجماعة من أصحابه وابن حنبل وكان الحسن يقسم لقد رآه ، وقد توقّف فيه جماعة ، هذا حال رؤيته في الدّنيا . وأمّا رؤيته في الآخرة فجايزة عقلا ، وأجمع على وقوعها أهل السّنة وأحالها المعتزلة والمرجئة والخوارج ، والفرق بين الدّنيا والآخرة أنّ القوى والادراكات ضعيفة في الدّنيا حتّى إذا كانوا في الآخرة وخلقهم للبقاء قوى إدراكهم فأطاقوا رؤيته ، انتهى كلامه على ما حكى عنه . وقد عرفت فيما تقدّم أنّ استحالة ذلك مطلقا هو المعلوم من مذهب أهل البيت عليهم السّلام ، وعليه إجماع الشّيعة باتّفاق المخالف والمؤالف ، وقد دلَّت عليه الأدلَّة العقليّة والنقليّة من الآيات والأخبار المستفيضة ، ومن جملة تلك الآيات قوله سبحانه : * ( لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * . استدلّ بها النّافون للرّؤية وقرّروها بوجهين : أحدهما أنّ إدراك البصر عبارة شايعة عن الادراك بالبصر إسناد للفعل إلى الآلة ، والادراك بالبصر هو الرّؤية بمعنى اتّحاد المفهومين أو تلازمهما ، والجمع المعرّف باللَّام عند عدم قرينة العهديّة والبعضيّة تفيد العموم والاستغراق باجماع أهل العربيّة والأصول وأئمّة التّفسير ، وبشهادة استعمال الفصحاء ، وصحّة الاستثناء فاللَّه سبحانه قد أخبر بأنه لا يراه أحد في المستقبل ، فلو رآه المؤمنون في الجنّة لزم كذبه .