ثمّ وصفه سبحانه بكمال الاقتدار فقال ( وأخذت بالنّواصي والأقدام ) أي أحاطت قدرتك بنواصى العباد وأقدامهم ، وأخذت بها على وجه القهر والاذلال ، ويجوز أن يكون المراد به خصوص أخذ المجرمين بنواصيهم وأقدامهم يوم القيامة كما قال تعالى : * ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالأَقْدامِ ) * .
ونسبته عليه السّلام الأخذ إلى اللَّه سبحانه مع كونه فعل الملائكة من باب الاسناد إلى السبب الآمر كما أسند اللَّه التوفى إلى نفسه في قوله : * ( ا للهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) * مع كونه فعل ملك الموت بدليل قوله سبحانه في سورة السجدة : * ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) * .
قال الفخر الرّازي في تفسير الآية الأولى : وفي كيفيّة الأخذ ظهور نكالهم لأنّ في نفس الأخذ بالنّاصية إذلالا وإهانة ، وكذلك الأخذ بالقدم .
وفي الأخذ بها وجهان بل قولان لأهل التّفسير .
أحدهما أن يجمع بين ناصيتهم وقدمهم من جانب ظهورهم فيربط بنواصيهم أقدامهم أو من جانب وجوههم فتكون رؤوسهم على ركبهم ونواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة .
والثاني أنّهم يسحبون سحبا ، فبعضهم يؤخذ بناصيته ، وبعضهم يجرّ برجله ثمّ استفهم على سبيل الاستحقار لما استفهم عنه فقال ( وما الَّذي نرى من خلقك ) أي من مخلوقاتك على كثرتها واختلاف أجناسها وأنواعها وهيئاتها ومقاديرها وخواصّها وأشكالها وألوانها إلى غير هذه من أوصافها وحالاتها الَّتي لا يضبطها عدّ ولا يحيط بها حدّ ( ونعجب له من قدرتك ) أي من مقدوراتك الغير المتناهية عددا ومددا وكيفا وكمّا ( ونصفه من عظيم سلطانك ) النّافذ في الأنفس والآفاق ، والماضي في أطباق الأرض وأقطار السّماء ( و ) الحال أنّ ( ما تغيّب عنّا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 353
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٣