وأيضا عدم إدراك الأبصار جميعا لا يختصّ بشيء من الموجودات خصوصا مع اعتبار شمول الأحوال والأوقات ، فلا يختصّ به تعالى فتعيّن أن يكون التمدّح بمعنى عدم إدراك شيء من الأبصار له في شيء من الأوقات .
وثانيهما أنّه تعالى تمدّح بكونه لا يرى به فانّه ذكره في أثناء المدايح وما كان من الصّفات عدمه مدحا كان وجوده نقصا ، فيجب تنزيه اللَّه تعالى بنفيه مطلقا .
ثمّ لمّا نفى عنه درك الأبصار له أثبت له دركه للأبصار فقال عليه السّلام ( أدركت الأبصار وأحصيت الأعمال ) كما نطق به الكتاب العزيز قال عزّ من قائل : * ( لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * وقال أيضا * ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ا للهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاه ُ ا للهُ وَنَسُوه ُ وَا للهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) * .
أي أحاط به عددا لم يغب عنه شيء ونسوه لكثرته أو تهاونهم به ، واللَّه على كلّ شيء شهيد أي يعلم الأشياء كلَّها من جميع وجوهها لا يخفى عليه شيء منها ، وقال أيضا تلو هذه الآية : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ ا للهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ ا للهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 352
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٢