وبما ذكرنا ظهر لك ضعف ما ذكره الشّارح البحراني بل فساده من أنّ شهادة الجلود وغيرها بلسان الحال والنّطق به ، فانّ كلّ عضو لما كان مباشرا لفعل من الأفعال كان حضور ذلك العضو وما صدر عنه في علم اللَّه تعالى بمنزلة الشّهادة القوليّة بين يديه ، فانّ ذلك مخالف لظاهر الآية ونصّ الرّواية لدلالتهما على كون الشّهادة بلسان القال لا بلسان الحال كما زعمه الشّارح وتوهّم .
وقوله ( وحفّاظ صدق يحفظون أعمالكم وعدد أنفاسكم ) أراد بهم الكرام الكاتبين قال تعالى : * ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه ِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) * .
قال في مجمع البيان : ذكر سبحانه أنّه مع علمه به وكَّل به ملكين يحفظان عليه عمله الزاما للحجّة ، فقال : إذ يتلقّى المتلقّيان ، وهما الملكان يأخذان منه عمله فيكتبانه كما يكتب المملى عليه ، عن اليمين وعن الشّمال قعيد ، المراد بالقعيد هو الملازم الَّذي لا يبرح لا القاعد الَّذي هو ضدّ القائم ، وقيل : عن اليمين كاتب الحسنات وعن الشّمال كاتب السّيئات عن الحسن ومجاهد ، وقيل : الحفظة أربعة : ملكان باللَّيل ، وملكان بالنّهار عن الحسن ، ما يلفظ من قول إلَّا لديه رقيب عتيد أي ما يتكلَّم بكلام فيلفظه أي يرميه من فيه إلَّا لديه حافظ حاضر معه يعني الملك الموكَّل به إمّا صاحب اليمين وإمّا صاحب الشّمال ، يحفظ عمله لا يغيب عنه ، وعن أبي أمامة عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : إنّ صاحب الشّمال ليرفع القلم ستّ ساعات عن العبد المسلم المخطى أو المسىء ، فان ندم واستغفر اللَّه منها ألقاها وإلَّا كتب واحدة ، وفي رواية أخرى قال : صاحب اليمين أمير على صاحب الشّمال ، فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين بعشر أمثالها وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشّمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين : امسك ، فيمسك عنه سبع ساعات ، فان استغفر اللَّه منها لم يكتب عليه شيء ، وإن لم يستغفر اللَّه كتب له سيّئة واحدة ، هذا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 326
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢٦