قلنا : إنّ هذا الانتفاع الَّذي ذكرتم أمر موهوم لا ينفكّ عن نوع ضرر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل ، واخذ الدراهم الزائدة أمر متيقّن فتفويت المتيقّن لأجل الأمر الموهوم لا ينفكّ عن نوع ضرر وثانيها قال بعضهم : اللَّه تعالى إنّما حرّم الرّبا من حيث إنّه يمنع النّاس عن الاشتغال بالمكاسب ، وذلك لأنّ صاحب الدّرهم إذا تمكَّن بواسطة عقد الرّبا من تحصيل الدّرهم الزائد نقدا كان أو نسية خفّ عليه اكتساب وجه المعيشة ، فلا يكاد يتحمّل مشقّة الكسب والتّجارة والصّناعات الشّاقة ، وذلك يفضى إلى انقطاع منافع الخلق ومن المعلوم أنّ مصالح العالم لا تنتظم إلَّا بالتجارات والحرف والصّناعات والعمارات وثالثها قيل : السّبب في تحريم عقد الرّبا إنّه يفضى إلى انقطاع المعروف بين النّاس من القرض ، لأنّ الرّبا إذا حرم طابت النّفوس بقرض الدّرهم واسترجاع مثله ، ولو حلّ الرّبا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدّرهم بدرهمين ، فيفضى ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والاحسان .
أقول : وهذا الوجه الأخير هو المروىّ عن الصّادق عليه السّلام قال : إنّما شدّد اللَّه في تحريم الرّبا لئلَّا يمتنع النّاس من اصطناع المعروف قرضا ورفدا .
قال بعض العارفين : آكل الرّبا أسوء حالا من جميع مرتكبى الكبائر ، فانّ كل مكتسب له توكَّل ما في كسبه قليلا كان أو كثيرا كالتّاجر والزارع والمحترف لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم ولم يتعيّن لهم قبل الاكتساب ، فهم على غير معلوم في الحقيقة كما قال رسول اللَّه : أبي اللَّه أن يرزق المؤمن إلَّا من حيث لا يعلم ، وأمّا آكل الربا فقد عيّن مكسبه ورزقه وهو محجوب عن ربّه بنفسه وعن رزقه بتعيّنه لا توكل له أصلا ، فوكَّله اللَّه إلى نفسه وعقله وأخرجه من حفظه وكلائته فاحتفظته الجنّ وخبلته فيقوم يوم القيامة ولا رابطة بينه وبين اللَّه عزّ وجلّ كساير النّاس المرتبطين به بالتّوكل ، فيكون كالمصروع الَّذي مسّه الشّيطان فتخبّطه لا يهتدى إلى مقصد ، هذا .
والأخبار في عقاب الرّبا كثيرة جدّا منها ما في الصّافي عن الكافي عن الصّادق عليه السّلام درهم ربا أشدّ من سبعين
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 303
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٠٣