وقال الفخر الرازي : اعلم أنّ الرّبا قسمان : ربا النسيئة وربا الفضل أمّا ربا النّسيئة فهو الأمر الَّذي كان متعارفا مشهورا في الجاهليّة ، وذلك أنّهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلّ شهر قدرا معيّنا ويكون رأس المال باقيا ، ثمّ إذا حلّ الدّين طالبوا المديون برأس المال ، فإذا تعذر عليه الأداء زادوا في الحقّ والأجل ، فهذا هو الرّبا الَّذي كانوا في الجاهليّة يتعاملون به ، وأمّا ربا النّقد فهو أن يباع منّ من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك .
أما قوله تعالى * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى القوم كانوا في تحليل الرّبا على هذه الشّبهة ، وهى أنّ من اشترى ثوبا بعشرة ثمّ باعه بأحد عشر فهذا حلال فكذا إذا باع العشرة بأحد عشر يجب أن يكون حلالا ، لأنّه لا فرق في العقل بين الأمرين فهذا في ربا النقد وأمّا في ربا النّسيئة فكذلك أيضا لأنّه لو باع الثوب الَّذي يساوي عشرة في الحال بأحد عشر إلى شهر جاز ، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهر وجب أن يجوز ، لأنّه لا فرق في العقل بين الصّورتين ، وذلك لأنّه إنّما جاز هنا لأنّه حصل التّراضى فيه من الجانبين فكذا ههنا لمّا حصل التّراضي من الجانبين وجب أن يجوز أيضا ، فالبياعات إنّما شرعت لدفع الحاجات ولعلّ الانسان أن يكون صفر اليد في الحال شديد الحاجة ويكون له في المستقبل من الزّمان أموال كثيرة فإذا لم يجز الرّبا لم يعطه ربّ المال شيئا فيبقى الانسان في الشّدة والحاجة أمّا بتقدير جواز الرّبا فيعطيه ربّ المال طمعا في الزّيادة والمديون يردّه عند وجدان المال مع الزّيادة وإعطاء تلك الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال ، فهذا يقتضى حلّ الرّبا كما حكمنا بحلّ ساير البياعات لأجل دفع الحاجة فهذا هو شبهة القوم واللَّه تعالى أجاب عنه بحرف واحد وهو قوله : * ( وَأَحَلَّ ا للهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) * .
ووجه الجواب أنّ ما ذكرتم معارضة للنّص بالقياس وهو من عمل إبليس فانّه تعالى لمّا أمره بالسّجود لآدم عليه السّلام عارض النّص بالقياس فقال : * ( أَنَا خَيْرٌ مِنْه ُ ) *
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 301
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٠١