قلت : لقوله تعالى : * ( وَما كانَ ا للهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ » ) * آه وأنت خبير بما فيه .
أمّا أوّلا فلأنّ هذا الجواب كما ترى مبنيّ على جعل الفتنة في الآية بمعنى العذاب ، وقد علمت أنّ كلام أمير المؤمنين في هذا المقام ناظر إلى كونها بمعنى الامتحان بالولاية والتنافي بين المعنيين ظاهر .
وأمّا ثانيا فلأنّا بعد الغضّ عمّا ذكرنا نقول إنّ قوله : علمت ، جواب لما وهو يفيد أنّ منشأ علمه بعدم نزول الفتنة هو قوله : * ( ألم أَحَسِبَ النَّاسُ ) * الآية ، لا قوله : * ( وَما كانَ ا للهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ) * ، والعلم بعدم نزول العذاب من الآية الثّانية لا يلازم حصول العلم من الآية الأولى على ما هو مقتضى ظاهر كلامه عليه السّلام .
والَّذي عندي في رفع ذلك الاشكال أنّه عليه السّلام علم ذلك حين نزول الآية باعلام النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فقد روى في الصّافي عنه عليه السّلام أنّه لما نزلت هذه الآية قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لا بدّ من فتنة تبتلى به الأمّة بعد نبيّها ليتعيّن الصّادق من الكاذب ، لأنّ الوحي قد انقطع وبقى السّيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة .
فانّ هذه الرّواية ككثير من الرّوايات الآتية صريحة في أنّ نزول الفتنة إنّما يكون بعد النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فحصل بذلك العلم له عليه السّلام بأنّها لا تنزل مع كونه بين أظهرهم .
ولمّا كان ذلك الاخبار من النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حين نزول الآية صحّ بذلك الاعتبار قوله عليه السّلام : لمّا أنزل اللَّه قوله * ( ألم ) * آه علمت إلى قوله ( فقلت يا رسول اللَّه ما هذه الفتنة التيّ أخبرك اللَّه بها فقال يا عليّ انّ امّتى سيفتنون من بعدى ) وهذا الجواب من النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم له عليه السّلام وإن كان مجملا لم يصرّح فيه بانّ افتتان الامّة بعده صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بما ذا إلَّا أنّه عليه السّلام قد فهم منه أنّ مراده صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم منه الافتتان به عليه السّلام وامتحانهم بولايته .
وفهمه عليه السّلام ذلك منه إمّا من باب سرّ الحبيب مع الحبيب أو بقرينة تصريحه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم به في غيره ، فقد روى في غاية المرام عن ابن شهرآشوب عن أبي طالب الهروي
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 293
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٣