تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
اللَّه لنا لنهلكنّ . قلنا : قد كشف الأمر ما عقبت هذا الكلام به من اعترافها ببغض أمير المؤمنين وبغض أصحابه المؤمنين ، وقد أوجب اللَّه عليها محبّتهم وتعظيمهم ، وهذا دليل على الاصرار وأنّ بكائها إنّما كان للخيبة لا للتّوبة ، وما كان في قولها لئن لم يغفر اللَّه لنا لنهلكنّ من دليل على التّوبة وقد يقول المصرّ مثل ذلك إذا كان عارفا بخطائه فيما ارتكبه ، وليس كلّ من ارتكب ذنبا يعتقد أنّه حسن حتّى لا يكون خائفا من العقاب عليه ، وأكثر مرتكبى الذّنوب يخافون العقاب مع الاصرار ، ويظهر منهم مثل ما حكى من عايشة ولا يكون توبة وروى الواقدي باسناده أنّ عمّارا رحمة اللَّه عليه استأذن على عايشة بالبصرة بعد الفتح فأذنت له فدخل فقال : يا أمه كيف رأيت اللَّه صنع حين جمع بين الحقّ والباطل ألم يظهر اللَّه الحقّ على الباطل ويزهق الباطل فقالت : إنّ الحرب دول وسجال وقد اديل على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ولكن انظر يا عمّار كيف تكون في عاقبة أمرك . وروى الطبرىّ في تاريخه أنّه لمّا انتهى إلى عايشة قتل أمير المؤمنين قالت :
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى كما قرّ عينا بالأياب المسافر
من قتله فقيل : رجل من مراد ، فقالت :
فان يك تائبا فلقد نعاه بنعي ليس في فيه التراب
فقالت زينب بنت سلمة بن أبي سلمة : ألعلىّ تقولين هذا فقالت : إنّى أنسى فإذا نسيت فذكَّروني ، وهذه سخريّة منها بزينب وتمويه خوفا من شناعتها ، ومعلوم أنّ النّاسي والسّاهى لا يتمثّل بالشّعر في الأغراض المطابقة ، ولم يكن ذلك منها إلَّا عن قصد ومعرفة . وروى عن ابن عبّاس أنّه قال لأمير المؤمنين لمّا أبت عايشة الرّجوع إلى المدينة : أرى أن تدعها يا أمير المؤمنين بالبصرة ولا ترحلها ، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : إنّها لا تالو شرّا ولكنّي أردّها إلى بيتها الَّذي تركها فيه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 280 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي