أعجب من ساير الخلق ، ومن عجائبه أنه دم ولحم ، يطير بغير ريش ، ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض ساير الطيور ، ويكون له الضرع ويخرج اللَّبن ، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة اللَّيل ، وانما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدّا ، ويضحك كما يضحك الانسان وتحيض كما تحيض المرأة ، فلمّا رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا : هذا سحر مبين فذهبوا إلى جالينوس فأخبروه بذلك فقال : آمنوا به وقال الدّميرى في حيوة الحيوان : والحقّ أنه صنفان وقال قوم : الخفّاش الصغير ، والوطواط الكبير ، وهو لا يبصر في ضوء القمر ولا في ضوء النهار ، ولما كان لا يبصر نهارا التمس الوقت الذي لا يكون فيه ظلمة ولا ضوء وهو قريب غروب الشمس لأنّه وقت هيجان البعوض ، فانّ البعوض ، يخرج ذلك الوقت يطلب قوته وهو دماء الحيوان والخفاش يطلب الطعام فيقع طالب رزق على طالب رزق ، والخفّاش ليس هو من الطير في شيء لأنّه ذو اذنين وأسنان وخصيتين ، ويحيض ، ويطهر ، ويضحك كما يضحك الانسان ، ويبول كما تبول ذوات الأربع ، ويرضع ولده ولا ريش له .
قال بعض المفسّرين : لمّا كان الخفّاش هو الذي خلقه عيسى بن مريم بإذن الله كان مباينا لصنعه الله ولهذا جميع الطَّير تقهره وتبغضه فما كان منها يأكل اللَّحم أكله وما لا يأكل اللَّحم قتله ، فلذلك لا يطير إلَّا ليلا .
وقيل : لم يخلق عيسى غيره ، لأنّه أكمل الطَّير خلقا وهو أبلغ في القدرة ، لأنّ له ثديا وأسنانا واذنا وقيل : إنّما طلبوا الخفّاش لأنّه من أعجب الطير ، إذ هو لحم ودم ، يطير بغير ريش ، وهو شديد الطيران ، سريع التّقلَّب ، يقتات بالبعوض والذّباب وبعض الفواكه ، وهو مع ذلك موصوف بطول العمر فيقال : إنّه أطول عمرا من النّسر ومن حمار الوحش ، وتلد انثاه ما بين ثلاثة أفراخ وسبعة ، وكثيرا ما يفسد وهو طاير في الهواء ، وليس في الحيوان ما يحمل ولده غيره والقرد والانسان ، ويحمله
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 264
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٦٤