تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وطرهم ) أي الشهوات النفسانية الَّتي كانت أهمّ حاجاتهم ، لأنها قد زالت عنهم ( وانّي أحذّركم ونفسي هذه المنزلة ) أراد بها الحالة التي كان الموصوفون عليها من الغفلة والجهالة ، وتشريك نفسه عليه السّلام معهم في التحذير لتطييب قلوب السامعين وتسكين نفوسهم ليكونوا إلى الانقياد والطاعة أقرب ، وعن الآباء والنفرة أبعد ، وفي بغض النسخ بدل المنزلة المزلَّة ، فالمراد بها الدّنيا الَّتي هي محلّ الزّيغ والزّلل والخطاء والخطل ولمّا نبّههم بعدم الانتفاع بالمطالب والمآرب الدّنيوية أردف ذلك بالتنبيه على ما نفعه أعمّ ، وصرف الهمّة إليه أهمّ فقال : ( فلينتفع امرء بنفسه ) بأن يصرفها فيما صرفها فيه أولوا الأبصار والفكر ويوجّهها إلى ما وجّهها إليه أرباب العقول والنظر وإليه أشار بقوله ( فانّما البصير ) العارف بما يصلحه ويفسده والخبير المميّز بين ما يضرّه وينفعه ( من سمع ) الآيات البيّنات ( فتفكَّر ) فيها ( ونظر ) إلى البراهين الساطعات ( فأبصر ) ها وأمعن فيها ( وانتفع بالعبر ) أي نظر بعين الاعتبار إلى السلف الماضين من الجبابرة والملوك والسلاطين وغيرهم من الناس أجمعين كيف انتقلوا من ذروة القصور إلى وهدة القبور ، ومن دار العزّ والمنعة إلى بيت الذّلّ والمحنة ، وفارقوا من الأموال والأوطان ، وجانبوا الأقوام والجيران ، وصاحبوا الحيّات والديدان ، وكيف كانت الدّيار منهم بلاقع ، والقبور لهم مضاجع واندرست آثارهم ، وانقطعت أخبارهم ، وخربت ديارهم ، وقسمت أموالهم ، ونكحت أزواجهم ، وحشر في اليتامى أولادهم ، وأنكرهم صديقهم ، وتركهم وحيدا شفيقهم ، ففي أقلّ هذه عبرة لمن اعتبر ، وتذكرة لمن اتّعظ وتذكَّر ( ثمّ سلك جددا ) أي طريقا ( واضحا ) وهو الصراط المستقيم ، والنهج القويم أي جادّة الشريعة ومنهج الدّين الموصل لسالكه إلى حظاير القدس ، ومجالس الانس بشرط أن ( يتجنّب ) ويتباعد ( فيه ) عن اليمين والشمال فانّ الطريق الوسطى هي الجادّة واليمين والشمال مزلَّة ومضلَّة توجبان ( الصّرعة في المهاوي والضلال
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 212 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي