درجة الكمال والسّلامة في مهابط الهلاك ومهوات الغفلة وينخرط في سلك ساير الجهّال والغافلين ( ويغدو مع المذنبين ) أي يصبح معهم وهو كناية عن موافقته لهم وملازمته إيّاهم في ارتكاب المعاصي وانهماك الآثام والذّنوب ( بلا سبيل قاصد ولا إمام قائد ) أي من دون أن يسلك سبيلا مستقيما يوصله إلى المطلوب ويتّبع إماما عادلا يقوده إلى الصّواب وأما الفصل الثاني متضمّن للنّصح والموعظة وتذكير المخاطبين بالموت وتنبيههم من نوم الغفلة وهو قوله ( حتّى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم واستخرجهم من جلابيب غفلتهم ) قال الشّارح البحراني : النفس ذو جهتين جهة تدبير أحوالها البدنيّة بما لها من القوّة العملية ، وجهة استكمالها بقوّتها النظرية التي تتلقّى بها من العاليات كمالها ، وبقدر خروجها عن حدّ العدل في استكمال قوّتها العملية تنقطع عن الجهة الأخرى وتكتنفها الهيئات البدنيّة فتكون في أغطية منها وجلابيب من الغفلة عن الجهة الأخرى بالانصباب إلى ما يقتنيه مما يعدّ خيرا في الدّنيا وبسبب انصبابها في هذه الجهة وتمكن تلك الهيئات البدنية منها يكون بعدها عن بارئها ونزولها في دركات الجحيم عن درجات النعيم وبالعكس كما قال صلَّى الله عليه وآله و : الدّنيا والآخرة ضرّتان بقدر ما تقرب من إحداهما تبعد من الأخرى ، وظاهر إنّ بالموت تنقطع تلك الغفلة ، وتنكشف تلك الحجب ، فيؤمئذ يتذكر الانسان وأنى له الذّكرى ، ويكون ما أثبته له يومئذ من تعلَّق تلك الهيئات بنفسه وحطها له عن درجات الكمال من السلاسل والأغلال هو جزاء معصيتهم المنكشف لهم ، انتهى ، هذا وتشبيه الغفلة بالجلباب من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ، ووجه الشّبه إحاطتها بهم وملازمتها لهم إحاطة الثوب بالبدن ولزومه له وقوله ( استقبلوا مدبرا واستدبروا مقبلا ) أراد بالمدبر الَّذي استقبلوه ما كان غائبا عنهم من الشقاء والنكال والنقم ، وبالمقبل الَّذي استدبروه ما كان حاضرا لهم من الآلاء والأموال والنعم ( فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم ) أي اللَّذات الدّنيوية التي كانت أعظم طلباتهم ، لأنّهم تركوها وراء ظهورهم ( ولا بما قضوا من
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 211
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١١