قلت : قد أجاب عنه الشّارح المعتزلي بأنّ صحّة مذهبهم يقتضي أن يحمل عموم الألفاظ على أنّ المراد بها الخصوص ، فيكون التّأويل لئلا يكون للنّاس على الله حجّة فيما لم يدلّ العقل على وجوبه ولا قبحه كالشّرعيّات ، وكذلك وما كنّا معذّبين على ما لم يكن العقل دليلا عليه حتّى نبعث رسولا ، ومحصّله أنّ العمومات مخصوصة بغير المستقلات ، وأنّ المقصود بالآية وما كنّا معذّبين قبل بعث الرّسل إلَّا فيما استقلّ لحكمه العقل ، هذا .
ويمكن الجواب بابقاء الآية على عمومها والتصرّف في البعث بأن يجعل بعث الرّسل كناية أو مجازا عن مطلق بيان التكليف ولو بلسان العقل كما في المستقلات العقليّة إلَّا أنّه لمّا كان الغالب بل الأغلب كون البيان بالرّسول ، فعبّر به عنه كما في قولك لا أبرح هذا المكان حتّى يؤذّن المؤذّن ، مريدا به دخول الوقت إذ كثيرا ما يعلم دخوله به .
( فدعاهم بلسان الصّدق ) وهو لسان الأنبياء والحجج ، لأنّهم تراجمة وحى الله سبحانه ويقرب منه ما في شرح البحراني قال : هو لسان الشريعة النّاطقة عن مصباح النّبوة المشتعل عن نور الحقّ سبحانه ( إلى سبيل الحقّ ) وهو سبيل الدّين ونهج الشّرع المبين .
ولمّا أشار عليه السّلام إلى الحكمة في بعث الرّسل أردفه بالتّنبيه على الغرض من التّكليف وهو قوله : ( ألا إنّ الله تعالى قد كشف الخلق كشفة ) أي أبداهم وأظهر حالهم بما تعبّدهم به من الأحكام إذ بالتعبّد بها يظهر ما هم عليه من السّعادة والشّقاوة والجحود والتّسليم ، وهذا معنى ما قيل إنّه أراد بالكشف الاختبار والابتلاء ( لا ) ل ( أنّه جهل ما أخفوه من مصون أسرارهم و ) أضمروه من ( مكنون ضمائرهم ) بل هو العالم بالسّرائر والخبير بمكنونات الضّمائر .
وإن تجهر بالقول فانّه يعلم السّر وأخفى ، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء ، وما يكون من نجوى ثلاثة إلَّا هو رابعهم ولا خمسة إلَّا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلَّا هو معهم ، على ما مرّ تحقيقا وتفصيلا في
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 19
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٩