فقولهم لم نكن ندعو هو التبرّء ، وأخبر عن تبرّء الرّؤساء بقوله : * ( « إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبابُ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا » ) * ( فيتزايلون ) ويفرقون ( بالبغضاء ويتلاعنون عند اللَّقاء ) كما قال تعالى : * ( « ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً » ) * .
قال الشّارح المعتزلي : فان قلت : ألم يكن قلت إنّ قوله عن قليل يتبرّء التابع من المتبوع يعني يوم القيامة فكيف يقول ( ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرّجوف ) وهذا إنّما يكون قبل القيامة قلت : لمّا ذكر تنافس النّاس على الجيفة المنتنة وهي الدّنيا أراد أن يقول بعده بلا فصل : ثمّ يأتي بعد ذلك اه لكنّه لمّا تعجّب من تزاحم النّاس وتكالبهم على تلك الجيفة أراد أن يؤكَّد ذلك التّعجب فأتى بجملة معترضة بين الكلامين فقال : إنّهم على ما قد ذكرنا من تكالبهم عليها عن قليل يتبرّء بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا ، وذلك أدعى لهم لو كانوا يعقلون إلى أن يتركوا التّكالب والتّهارش على هذه الجيفة الخسيسة ، ثمّ عاد إلى نظام الكلام فقال : ثمّ يأتي بعد ذلك آه .
وقال الشّارح البحراني حكاية عن بعضهم : إنّ ذلك التّبرء عند ظهور الدّولة العبّاسية ، فانّ العادة جارية بتبرّء النّاس عن الولاة المعزولين خصوصا عند الخوف ممّن تولَّى عزل ذلك أو قتلهم ، فيتباينون بالبغضاء إذ لم تكن ألفتهم ومحبّتهم إلَّا لغرض دنياوىّ زال ، ويتلاعنون عند اللَّقاء ، ثمّ قال الشّارح : وقوله : ثم يأتي طالع الفتنة ، هي فتنة التتار ، إذ الدائرة فيها على العرب .
وقال بعض الشارحين : بل ذلك إشارة إلى الملحمة الكائنة في آخر الزّمان كفتنة الدّجال .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 165
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٦٥