أقول : وههنا وجه آخر على رواية حمل وخفف بالبناء على المجهول ، وهو أن يكون ربّ مرفوعا بفعل محذوف على حدّ قوله سبحانه : * ( « يُسَبِّحُ لَه ُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ » ) * على قراءة يسبح بصيغة المجهول ، كأنّه قيل : من حمل وخفّف ، فقال : ربّ رحيم ودين قويم ، وهذا الوجه أيضا مبنيّ على التجوّز في الاسناد .
وقوله : ليعظكم بكسر اللَّام ونصب الفعل كما في أكثر النّسخ ، ويحتمل الجزم لكونه أمرا أو فتح اللَّام ورفع الفعل أيضا .
وقوله : وداعيكم وداع امرء مرفوعان على المبتدأ والخبر ، وإضافة وداعى إلى ضمير المفعول أي وداعى إيّاكم ، وفي بعض النّسخ بنصب وداع ، وفي بعضها بجرّها ، وكلاهما مبنىّ على حذف الخافض أي كوداع امرء فالنّصب على حدّ قوله تعالى * ( « وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَه ُ » ) * أي من قومه ، والثاني على حدّ قول امرء القيس
« أشارت كليب بالأكفّ الأصابع »
أي إلى كليب ، وفي نسخة الشّارح المعتزلي وداعى لكم وداع امرء وروى فيها أيضا ودّعتكم وداع امرء على صيغة المتكلَّم من باب التّفعيل ، فالوداع منصوب بالمصدريّة وغدا ظرف للأفعال بعده .
المعنى
اعلم أنّ هذا الكلام قد قاله عليه السّلام لما ضربه ابن ملجم المرادي عليه لعائن الله وهو مسوق في معرض التوصية والتّذكير ، فأيّة بالنّاس ونبّههم على لحوق ضرورة المنفور منه طبعا بقوله : ( أيّها النّاس كلّ امرء لاق ما يفرّ منه في فراره ) يعنى أنّ الانسان يفرّ من الموت ما دام حيّا ، فهو في مدّة الفرار وهى الحياة الدّنيا يلاقي ما يفرّ منه البتّة كما قال تعالى * ( « قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْه ُ فَإِنَّه ُ مُلاقِيكُمْ » ) * ( والأجل مساق النّفس ) يجوز أن يراد بالأجل غاية العمر كما في قوله تعالى * ( « وَلِكُلِّ أُمَّةٍ