لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » ) * فيكون المساق بمعنى ما يساق إليه ، وأن يراد به المدّة المضروبة لبقاء الانسان أعني مدّة العمر فيكون المساق بمعنى زمان السّوق ، فانّ مدّة بقاء النّفس في هذا البدن مساق إلى غايتها .
( والهرب منه ) أي من الأجل بالمعنى الأوّل أو ممّا يفرّ منه إن أريد به المعنى الثاني ( موافاته ) لأنّ الهرب منه إنّما يكون بعلاج وحركة يفنى بهما بعض المدّة ، وإفناء المدّة يلزمه الموافاة فأطلق لفظ الموافاة على الهرب من باب اطلاق اسم اللَّازم على الملزوم ، أو لأنّه إذا قدّر زوال عمر أو دولة فكلّ تدبير يدبّره الانسان يصير سببا لحصول ما يهرب منه كما أنّ كلّ دواء ومعالجة إذا صادف قرب مجيء الأجل يكون مضرّا بالبدن وإن كان بحيث إذا لم يصادفه كان نافعا مجرّبا عند الأطباء مع أنّ المرض والمزاج في كلتا الصّورتين واحد بناء على إبطال أفعال الطبيعة وأنّ نفع الأدوية إنّما هو فعل الله تعالى عند الدّواء ، ومع قطع النظر عن ذلك إذا صادف الدّواء الأجل يصير أحذق الأطباء عاجزا غافلا عمّا ينفع المريض ، فيعطيه ما يضرّه وإذا لم يصادفه يلهم أجهل الأطبّاء بما ينفعه كما هو المجرّب .
وكيف كان فقوله عليه السّلام : والهرب منه موافاته ، جار مجرى المبالغة في عدم كون الفرار منجيا من الموت وعاصما عنه حتّى جعل نفس الهرب منه ملاقاة له ولم يقل والهارب منه يوافيه .
( كم اطَّردت الأيام ) أي صيّرتها طريدة قال الشارح المعتزلي فالاطَّراد أدلّ على العزّ والقهر من الطرد ( أبحثها ) وافتّشها ( عن مكنون هذا الأمر فأبى الله إلَّا إخفائه ) قال الشّارح المعتزلي : كأنه عليه السّلام جعل الأيّام أشخاصا يأمر باخراجهم وابعادهم عنه ، أي ما زلت أبحث عن كيفية قتلي وأىّ وقت يكون بعينه وفي أىّ أرض يكون يوما يوما ، فإذا لم أجده في اليوم اطردته واستقبلت يوما آخر فأبحث فيه أيضا فلا أعلم فأبعده واطرده وأستأنف يوما آخر ، وهكذا حتّى وقع المقدور .
قال الشّارح : وهذا الكلام يدلّ على أنه عليه السّلام لم يكن يعرف حال قتله مفصّلة من جميع الوجوه ، وأنّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أعلمه بذلك مجملا ، لأنّه قد ثبت
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 116
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١١٦