تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
وانما خصّه بهذه العلة مع كون ساير العبادات كذلك لكونه أشدّ وقاية من غيره ، بيان ذلك أنّ استحقاق الانسان للعقوبة إنّما هو بقربه من الشيطان واطاعته له وللنفس الامّارة ، وبشدّة القرب وضعفه يتفاوت العقاب شدّة وضعفا ، وبكثرة الطاعة وقلَّتها يختلف العذاب زيادة ونقصانا ، وسبيل الشّيطان على الانسان ووسيلته إليه إنّما هي الشّهوات ، وقوّة الشهوة بالأكل والشرب ، فبالجوع والصوم يضعف الشهوة وينكسر صولة النفس وينسد سبيل الشيطان وينجى من العقوبة والخذلان ، كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إنّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع . وقال صلوات اللَّه عليه وآله لعايشة : وادمى قرع باب الجنّة ، قالت : بماذا قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : بالجوع . قال الغزالي في احياء العلوم في تعداد فوائد الجوع ويأتي إنشاء اللَّه جميعها في التّذييل الثاني من شرح الفصل الثاني من الخطبة المائة والتاسعة والخمسين : « الفائدة الخامسة » وهى من أكبر الفوائد كسر شهوات المعاصي كلَّها والاستيلاء على النّفس الامارة بالسّوء ، فانّ منشأ المعاصي كلَّها الشهوات والقوى ومادّة الشهوات والقوى لا محالة الأطعمة ، فتقليلها يضعف كلّ شهوة وقوّة ، وإنّما السعادة كلَّها في أن يملك الرّجل نفسه ، والشقاوة في أن تملكه نفسه ، وكما أنّك لا تملك الدّابة الجموح إلَّا بضعف الجوع ، فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت فكذلك النفس ، وهذه ليست فائدة واحدة ، بل هي خزائن الفوائد ، ولذلك قيل الجوع خزانة من خزائن اللَّه . فقد اتّضح بذلك كون الصّوم جنّة من النّار ، ووقاية من غضب الجبّار ، وأنّ فيه من إذلال النّفس وقهر إبليس وكسر الشهوات ما ليس في ساير العبادات وهو واجب بالضرورة من الدّين واجماع المسلمين ونصّ الكتاب المبين قال سبحانه : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 423 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي