ومحصّل المعنى أنّ الذين يجمعون المال ولا يؤدّون زكاتهم فأخبرهم بعذاب موجع ، وللتعبير عن ذلك بلفظ البشارة مبنيّ على التهّكَّم ، لأنّ من يكنز الذّهب والفضّة فإنما يكنزهما لتحصيل الوجاهة بهما يوم الحاجة ، والتوسل إلى الفرج يوم الشدّة فقيل له : هذا هو الوجاهة والفرج كما يقال تحيّتهم ليس إلَّا الضرب وإكرامهم ليس إلَّا الشتم « يوم يحمى عليها » أي يوقد على الكنوز « في نار جهنّم » حتى تصير نارا « فتكوى بها » أي بتلك الأموال والكنوز التي منعوا حقوقها الواجبة « جباههم وجنوبهم وظهورهم » وتخصيص هذه الأعضاء بالكىّ بوجوه .
أحدها أنّ منظورهم بكسب الأموال وترك الانفاق ليس إلَّا الأغراض الدّنيويّة وهو حصول الوجاهة لهم عند النّاس وحصول الشّبع لهم بأكل الطَّيبات فينفتح منه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فوقع الكىّ على هذه الأعضاء جزاء لأغراضهم الفاسدة .
الثاني أنّ الجباه كناية عن مقاديم البدن والجنون عن طرفيه والظهور عن المآخير ، والمراد به أنّ الكيّ يستوعب تمام البدن .
الثالث أنّ الجبهة محلّ السّجود فلم يقم فيه بحقّه والجنب مقابل القلب الَّذي لم يخلص في معتقده ، والظَّهر محلّ الأوزار قال : يحملون أوزارهم على ظهورهم .
الرّابع أنّ هذه الأعضاء مجوفة وليست بمصمتة وفي داخلها آلات ضعيفة يعظم التألم بسبب وصول أدنى أثر إليها ، بخلاف ساير الأعضاء .
الخامس وهو أحسن الوجوه وألطفها أنّ صاحب المال إذا رأى الفقير أوّلا قبض جبهته وعبس وجهه وإذا دار الفقير يوليه جنبه وإذا دار يولَّيه ظهره وقوله « هذا ما كنزتم لأنفسكم » أي يقال لهم في حالة الكىّ هذا هو الذي ادّخرتموه لأنفسكم ، وهو تبكيت لهم بأنّ المال الذي بخلتم بانفاقه وادّخرتموه لتنتفعوا به صار عذابكم به ، فكأنّكم أكنزتموه ليجعل عقابا لكم « فذوقوا » عقاب « ما كنتم تكنزون » به لا بغيره .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 418
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤١٨