تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
إلا من ذاقها ، ومن لم يذقها فإنما يعرفها بالقياس إلى الآلام التي أدركها ، بيان ذلك القياس أنّ كلّ عضولا روح فيه فلا يحسّ بالألم ، فإذا كان فيه فالمدرك للألم هو الرّوح فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح فبقدر ما يسرى إلى الروح يتألَّم ، والمؤلم يتفرّق على اللَّحم والدم وساير الأجزاء فلا يصيب الرّوح إلَّا بعض الألم ، فإن كان في الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره ، فما أعظم ذلك الألم وما أشدّ ، والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الرّوح ، فاستغرق جميع أجزائه حتى لم يبق جزء من اجزاء المنتشر في أعماق البدن إلَّا وقد حلّ به الألم ، فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنّما يجرى في جزء من الرّوح يلاقي ذلك الموضوع الذي أصابته الشوكة ، وإنما يعظم أثر الاحتراق لأنّ أجزاء النار تغوص في ساير أجزاء البدن ، فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهرا وباطنا إلَّا وتصيبه النّار ، فتحسر الأجزاء الرّوحانية المنتشرة في ساير أجزاء اللحم ، وأمّا الجراحة فانّما تصيب الموضوع الذي مسّه الحديد فقط فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار فألم النزع يهجم على نفس الرّوح ويستغرق جميع أجزائه ، فانّه المنزوع المجذوب من كلّ عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء ومفصل من المفاصل ومن أصل كلّ شعرة وبشرة من الفرق إلى القدم حتّى قالوا إنّ الموت لأشد من ضرب بالسّيف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ، لأنّ قطع البدن بالسيف إنما يولمه لتعلَّقه بالرّوح فكيف إذا كان المتناول المباشر نفس الروح ، وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوّته في قلبه وفي لسانه ، وإنّما انقطع صوت الميّت وصياحه مع شدّة ألمه لأنّ الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه وبلغ كلّ موضع منه ، فهدّ كلّ قوّة وضعف كلّ جارحة ، فلم يترك له قوّة الاستغاثة . وإلى ذلك أشار بقوله ( ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا فحيل بين أحدهم وبين منطقه ) واستعار لفظ الولوج لما يتصوّر من فراق الحياة بعضو عضو ، فأشبه ذلك دخول جسم في جسم آخر ، والمقصود بذلك شدّة تأثير الموت في أبدانهم وايجابه لضعف اللَّسان عن قوّة النطق والتكلَّم .