تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
أوقاتهم بكلَّيتها إليها وإلى زخارفها وقنياتها ، غافلين عن ادراك عيوباتها ومساويها ولم يعرفوا أنها غدّارة مكَّارة ، غرّارة يونق منظرها ويوبق مخبرها ، ولم تف إلى الآن لأحد من عشّاقها ، ولم تصدق ظنّ أحد من طالبيها وراغبيها ( فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع باذن غير سميعة ) لغفلته عما سوى المحبوب وعدم تنبّهه بما فيه من العيوب فلا ينظر اليه بنظر البصيرة والاعتبار حتى يبصر ما فيه من المفاسد والمضار ، ولا يستمع إلى المواعظ والزواجر والنواهي والأوامر حتّى يأخذ عدّته ليوم تبلى السرائر . ( قد خرقت الشهوات عقله ) شبّه العقل بالثوب إذ كما أنّ الثوب زينة الانسان ووقاية للبدن من الحرّ والبرد فكذلك العقل زينة للمرء ووقاية له من حرّ نار الجحيم يعبد به الرّحمن ويكتسب به الجنان ، وجعل عقل الرجل الموصوف بمنزلة ثوب خلق ورشح الاستعارة بذكر الخرق إذا الثوب إذا كان خرقا خلقا ممزقا لا ينتفع به صاحبه فكذلك العقل إذا كان مفرقا بالشهوات الباطلة مصروفا في اللَّذات العاجلة لا ينتفع به فيما خلق لأجله البتة وفي الحقيقة هذه القوّة نكر أو شيطنة وليست بالعقل وإنما هي شبيهة بالعقل . ( وأماتت الدّنيا قلبه ) فلا انتفاع له به كميّت لا نفع له ( وولهت عليها نفسه ) أي صار في فرط محبّته للدّنيا بمنزلة الواله عليها والمفتون بها ( فهو عبد لها ولمن في يديه شيء منها ) لأنه إذا كانت همته مصروفة إليها وأوقاته مستغرقة في جمعها وجبايتها صار زمام أمره بيدها ( حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها ) كعبد دائر في حركاته وسكناته مدار مولاه بل عبوديته لها أشدّ وأخسّ من عبودية العبد لسيّده ، إذ طاعة العبد وانقياده لسيّده ربما يكون قسّريا وخدمة ذلك لدنياه عن وجه الشّوق والرّغبة والرضاء والمحبة وفي هذا المعنى قال الشاعر :
ما النّاس إلَّا مع الدّنيا وصاحبها فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا يعظَّمون أخا الدّنيا فان وثبت يوما عليه بما لا يشتهى وثبوا
( لا ينزجر من اللَّه بزاجر ولا يتّعظ منه بواعظ وهو يرى ) الكتب الإلهية والصحف
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 332 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي