وأما افتضاحهم بأكلها فلانّها بعد ما كانت بمنزلة الجيفة يكون آكلها مفتضحا بأكلها لا محالة ، وهو ترشيح للاستعارة . وقوله عليه السّلام ( واصطلحوا على حبّها ) أي اتفقوا على محبّتها وتوافقوا عليها ، فانّ أصل الصلح هو التراضي بين المتنازعين وتجوّز به عن التوافق والاتفاق للملازمة بينهما ( ومن عشق شيئا ) أي كان مولعا به شديد المحبّة له ، فانّ العشق هو الافراط في الحبّ والتجاوز عن حدّ الاعتدال . قال جالينوس الحكيم العشق من فعل النفس وهى كامنة في الدّماغ والقلب والكبد ، وفي الدماغ ثلاث مساكن التخيّل في مقدّمه ، والفكر في وسطه ، والذكر في آخره فلا يكون أحد عاشقا حتى إذا فارق معشوقه لم يخل من تخيّله وفكره وذكره فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال قلبه وكبده من النوم باشتغال الدّماغ بالتخيّل والذكر والفكر للمعشوق ، فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به ، ومتى لم يكن كذلك لم يكن عاشقا . وكيف كان فالمراد أنّ من أفرط في محبّة شيء ( اغشى ) ذلك الشيء ( بصره وأمرض قلبه ) أي يكون فرط حبّه لذلك الشيء مانعا عن توجّهه إلى ما يلزمه التوجّه إليه وحاجبا عن النظر إلى مصالحه وما يلزمه الاشتغال به فيكون غافلا عما عداه ، صارفا أوقاته بكلَّيته إلى هواه ، ويكون ( 1 ) عشقه مانعا عن ادراكه العقول ، ويكون عشقه أيضا مانعا عن ادراكه لعيوب المعشوق ، وعن التفاته إلى مساويه ، ومن هنا قيل :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 331
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٣١
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة
كما أنّ عين السّخط تبدى المساويا
وغرضه عليه السّلام أنّ أهل الدّنيا لكثرة حبّهم لها وفرط رغبتهم إليها قصرت أبصارهم عن النظر إلى أخراهم ، ومرضت قلوبهم عن التوجه إلى عقباهم ، وصرفوا
هامش
( 1 ) قال ارسطوا لعشق عمى الحسّ عن ادراك عيوب المحبوب وهو من الأمراض المعروفة من أنواع الماليخوليا الذي هو تشويش الظنون والفكر إلى الفساد والخوف وعن الأمالي عن المفضل بن عمر قال سألت الصادق ( ع ) عن العشق فقال ( ع ) قلوب خلت عن ذكر اللَّه فأذاقها اللَّه حبّ غيره ، منه