وهو كذلك ، فانّ كلّ عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاصّ به ومرضه أن يتعذّر عليه فعله الذي خلق لأجله حتّى لا يصدر منه أصلا أو يصدر منه بنوع من الاضطرار .
فمرض اليد أن يتعذّر عليها البطش ، ومرض الاذن أن يتعذّر عليها السّماع ومرض العين أن يتعذّر عليها الابصار ، ومرض اللسان أن يتعذّر عليه التكلَّم ، ومرض القلب أن يتعذّر عليه فعله الخاص الذي خلق لأجله وهو العلم والحكمة والمعرفة وحبّ اللَّه وعبادته والتلذّذ بذكره وإيثاره ذلك على غيره والاستعانة بجميع الأعضاء عليه كما قال : * ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * ففي كلّ عضو فايدة مخصوصة ، وفائدة القلب الحكمة والمعرفة وخاصية النفس التي للآدمى ما يتميّز بها عن البهايم ، فإنه لم يتميّز عنها بالقوّة على الأكل والوقاع والابصار ونحوها ، بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه وأصل الأشياء وموجدها ومخترعها هو اللَّه سبحانه ، فلو عرف كلّ شيء ولم يعرف اللَّه تعالى فكأنه لم يعرف شيئا ، وهو علامة لمرض قلبه كما أنّه لو لم يؤثر المواعظ والنصايح في اذنه ، والعبر والآيات في نظره ولم يجرى الحقّ على لسانه عرف بذلك أنّ هذه الجوارح منه مريضة ، لكونها علامات لمرضها يستدلّ بها عليها فلا بدّ له من معالجتها والخلاص من ألمها .
وربّما يحصل له الغفلة عن مرضه فلا يمكن له العلاج بنفسه ، فيلزم حينئذ وجود طبيب حاذق دوّار بطبّه لينبّهه على مرضه ويداوى له ، وليس ذلك إلَّا أمير المؤمنين عليه السّلام والطيّبون من أولاده ، فانّ غيرهم من الأطبّاء أعنى ساير العلما قد استولى عليهم المرض ، والطبيب إذا كان بنفسه مريضا كيف يعالج غيره ، فهو طبيب الهى متتبّع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة معالج لأمراض القلوب وأسقام الأرواح والنفوس وآفات الأعضاء والمشاعر .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 286
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٦