قال أبو الحسن : وكان من خبر سديف معهم أنّه كان عبدا لبني هاشم وكان فصيح اللَّسان قويّ الجنان شاعرا ماهرا يصول بلسانه مقتدرا بكلامه ، وكان كلّ موسم من مواسم الحج يخرج فيعلوقبّة زمزم ثمّ يصيح بالناس فيجتمعوا إليه ويعتمدوا بين يديه ، فإذا تكاملوا عنده يبسط لسانه بمدح مواليه من بني هاشم ويهجو بنى اميّة ويصغر ملكهم ويحرّض النّاس عليهم ليخلعوا الخلافة منهم ويجعلوها في بني هاشم الذين جعلها اللَّه فيهم وهم أهل بيت محمّد المصطفى صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم .
فلمّا كان في بعض الأعوام وقد حضر النّاس الموسم أكمل ما يكون من المواسم أقبل سديف فصعد زمزم ثمّ صاح برفيع صوته يا أهل الأرض ويا أهل الأبطح والصّفا وباب مكَّة والكعبة العليا ومن ساير الأقطار شرقا وغربا ، فدونكم فاسمعوا ما أقول واللَّه على ما أقول وكيل .
ثمّ تكلَّم في بني اميّة بكلّ شؤم فأخذه بنو اميّة فضربوه حتّى ظنّوا أنّهم قد قتلوه وألقوه على مزبلة فأقبلت إليه امرأة فسقته شرابا ولجأ إلى رؤس الجبال قال فلمّا سمع بنو اميّة الذين هم عند السّفاح بذكر سديف قال بعضهم لبعض : أليس قد قتل اللَّه سديفا فأراحنا منه وإنّا لنراه قد عاش بعد موته لينال مناه منّا .
ثمّ انه دخل على السّفاح ونظر إلى بني اميّة وما هم عليه وأنشأ يقول :
أصبح الملك ثابت الأساس
بالبهاليل ( 1 ) من بني العباس
طلبوا ثار هاشم فسقوها
بعد ميل من الزمان وياس
لا تقيلن عبد شمس عثارا
واقطعوا كلّ وصلة وغراس ( 2 ) ذلها أظهر التودّد منها
وبها منكم كجز « كحدخ » المواسي
فلقد غاظني وغاظ سواي
قربها من نمارق وكراسى
أنزلوها بحيث أنزلها اللَّه
بدار الهوان والاتعاس
هامش
( 1 ) البهلول وزان عصفور السيد الجامع لكلّ خير منه
( 2 ) الغراس بالكسر ما يغرس من الشجر منه