استعارة بالكناية أيضا وذكر الخطام والوضين تخييل وذكر الجولان والقلق ترشيح قال المحدّث المجلسيّ ( ره ) : والغرض عدم تمكَّنهم من الانتفاع بالدّنيا وصعوبتها عليهم وعدم انقياد هالهم كما يستصعب النّاقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام قلقة الوضين لا يثبت رحلها تحت راكبها .
أقول : والأظهر عندي أنّ الغرض بذلك الإشارة إلى أنهم لم يتمكَّنوا من الانتفاع بالدّنيا ومن رضاع أخلافها وتولية أمرها إلَّا من بعد ما أصابوها وليس لها صاحب ولا فيها أمر وسلطان حقّ يمنعهم من تولى أمرها والتّصرف فيها بمنزلة ناقة ليس لها صاحب ولا لها راكب فانّ الناقة إذا كان لها راكب يركبها يمسك خطامها ويشدّ وضينها ويملك أمرها ويمنع من تسلَّط الغير عليها ، فجولان الخطام واضطراب الوضين إنّما يكونان مع عدم من يملك أمرها وبتلك الحال يتمكَّن منها من يصادفها .
ويؤيد ما ذكرته قوله ( قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود ) فإنه ظاهر في أنّ المراد بالأقوام الخلفاء المتقدّمين الذين ولوها بلا وجه شرعيّ فانجرّ الأمر منهم إلى بني اميّة وتداولوها بينهم دولة جاهلية هذا .
وتشبيه الحرام بالسّدر المخضود إشارة إلى كثرة أكلهم له ورغبتهم به إن كان المخضود بمعنى المعطوف من كثرة الحمل ، وإن كان بمعنى مقطوع الشّوك فوجه الشّبه أنّ نواهى اللَّه سبحانه ووعيداته على فعل الحرام تجرى مجرى الشوك للسّدر في كونها مانعة منه زاجرة عنه كما يمنع الشوك عن اجتناء ثمرة السّدر ولما كان هؤلاء الأقوام قد اغمضوا عن النّواهى والوعيدات ولم يبالوا بها فصار الحرام عندهم بمنزلة السّدر النّاعم الأملس الخالي عن الشّوك في سهولة التناول ( و ) من أجل عدم المبالاة أيضا صار ( حلالها بعيدا غير موجود ) أي بين هؤلاء الأقوام أو بين عموم الناس لعدم دليل لهم يرشدهم إلى الحلال وينقذهم من الحرام ثمّ نبّه عليه السّلام على سرعة زوال الدّنيا وانقضائها بقوله ( وصاد فتموها واللَّه ظلَّا ممدودا إلى أجل معدود ) تهديدا لهم عن الابتهاج بها وتحذيرا عن الاغترار بلذّاتها .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 219
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١٩