إنّما أنت بشير ونذير ولست تسأل عن أصحاب الجحيم وليس عليك اجبارهم على القبول منك . ( خير البريّة طفلا ) لأنّ الخيريّة إنّما هي بالأعمال الصّالحة والأخلاق الفاضلة ، والتسديد بسلوك سبيل الحقّ وهو صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم منذ أيّام طفوليته وصباه كان ملازما لذلك سابقا فيه على غيره . ( وأنجبها كهلا ) أي أفضلها ، وقيل : أكرمها فلقد كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في حال كهوليّته ودعوته منبع كلّ كرم وفضل ( أطهر المطهرين شيمة ) أي طبيعة وجبلة وخلقا لم تدنسه الجاهلية بأنجاسها ، ولم تلبسه من مدلهمّات ثيابها ( وأجود المستمطرين ديمة ) أي أجود الأشخاص الذين يطلب منهم الأمطار ويرجى منهم الاحسان ( 1 ) ، أو أكثر جودا للَّذين يطلبون البذل والانعام ، وعلى كلّ تقدير فقد شبّهه عليه السّلام بالسّحاب الماطر والغيث الهاطل ، وأراد بذلك كثرة جوده وعطاياه ، فلفظ المستمطرين استعارة للراجين أو المرجوّين منهم الاحسان ، وذكر الجود والدّيمة ترشيح للاستعارة ، هذا . وقوله عليه السّلام : ( فما احلولت لكم الدّنيا في لذّاتها ) قال الشارح المعتزلي الخطاب لمن في عصره من بقايا الصّحابة ولغيرهم من التّابعين الذين لم يدركوا عصر النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقيل : الخطاب لبني أمية وأمثالهم ، والأول أوفق بظاهر المخاطبة ، والثّاني أظهر بملاحظة سياق الكلام والفقرات الآتية . وكيف كان فالمعنى أنّه ما صارت لكم الدّنيا حلوا في لذّاتها ( ولا تمكنتم من رضاع أخلافها ) استعارة بالكناية شبه عليه السّلام الدّنيا بناقة مرضعة تنتفع بها ويمتصّ من ثدييها ، والجامع وجوه الانتفاع وأثبت لها الأخلاف تخييلا وذكر الرّضاع ترشيح ، والمقصود أنّكم ما تمكنتم من الانتفاع بالدّنيا والابتهاج بلذّاتها ( إلَّا من بعد ما صادفتموها ) أي أصبتموها ووجدتموها ( جائلا خطامها قلقا وضينها )
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 218
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١٨
هامش
( 1 ) هذا مبنى على كون المستمطرين بصيغة المفعول وإضافة أجود اليه بمعنى من والثاني مبنى على كونه بصيغة الفاعل وكون الإضافة بمعنى اللام ، فافهم .