ويحتمل رجوع ضمير رغبتهم إلى الخلق وإليهم وإلى الملائكة على سبيل التنازع .
( لا يقطعون أمد غاية عبادته ) أراد أنّه لا يمكنهم الوصول إلى منتهى نهاية عبادته الذي هو عبارة عن كمال معرفته ، وذلك لكون مراتب العرفان ودرجاته غير متناهية فلا يمكنهم قطعها ( ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلَّا إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته ) أي لا يرجعهم الولع بلزوم طاعته سبحانه إلَّا إلى موادّ ناشئة من قلوبهم غير منقطعة وهذه الموادّ هو رجائه ومخافته الباعثان لهم على لزوم طاعته ، والغرض إثبات دوام خوفهم ورجائهم الموجبين لعدم انفكاكهم عن الطاعة بل لزيادتها كما يشعر به لفظ الموادّ .
قال الشّارح البحراني : لما كانوا غرقى في محبّته عالمين بكمال عظمته وأنّ ما يرجونه من جوده أشرف المطالب وأربح المكاسب وما يخشى من انقطاع جوده ونزول حرمانه أعظم المهالك والمعاطب ، لا جرم دام رجائهم له وخضوعهم في رقّ الحاجة إليه والفزع من حرمانه ، وكان ذلك الخوف والرّجاء هو مادّة استهتارهم بلزوم طاعته التي يرجعون إليها من قلوبهم فلم ينقطع استهتارهم بلزومها .
( لم تنقطع أسباب الشفقّة منهم فينوا في جدّهم ) أي لم تنقطع أسباب الخوف منهم فيفتروا في الجدّ في العبادة وأسباب الخوف هي حاجتهم إليه سبحانه وافتقارهم إلى إفاضته وجوده ، فانّ الحاجة الضّرورية إلى الغير في مطلوب يستلزم الخوف منه في عدم قضائه ويوجب الاقبال على الاستعداد بجوده بلزوم طاعته والقيام بوظايف عبادته .
( ولم يأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السّعى على اجتهادهم ) أي لم تجعلهم الأطماع اسراء وليسوا مأسورين في ربقة الطمع حتّى يختاروا السّعى القريب في تحصيل المطموع من الدّنيا الفانية على اجتهادهم الطويل في تحصيل السّعادة الباقية كما هو شأن البشر ، وذلك لكون الملائكة منزّهين عن الشهوات وما يلزمها من الأطماع الكاذبة .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 393
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٩٣