قربى ، ولابعدّنه من وصلي أيؤمّل غيري في الشّدايد والشّدايد بيدي ، ويرجو غيري ويقرع بالكفر باب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني ، فمن ذا الَّذي أمّلني لنوائبه فقطعته دونها ، ومن ذا الَّذي رجاني لعظيمة فقطعت رجائه منّي ، جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي ، وملأت سماواتي ممّن لا يملّ من تسبيحي ، وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي ، فلم يثقوا بقولي ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنّه لا يملك كشفها أحد غيري إلَّا من بعد إذني ، فمالي أراه لاهيا عنّي أعطيته بجودي ما لا يسألني ثمّ انتزعته عنه فلم يسألني ردّه وسأل غيري ، أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ثمّ اسأل فلا أجيب سائلي أبخيل أنا فيبخلني عبدي ، أوليس الجود والكرم لي أوليس العفو والرحمة بيدي أوليس أنا محلّ الآمال فمن يقطعها دوني أفلا يخشى المؤمّلون أن يؤمّلوا غيري فلو أنّ أهل سماواتي وأهل أرضي أمّلوا جميعا ثمّ أعطيت كلّ واحد منهم مثل ما أمّل الجميع ما انتقص من ملكي مثقال ذرّة ، وكيف ينقص ملك أنا قيّمه فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ، ويا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني هذا .
وبقي الكلام في الكذب الشرعي وأعنى ما هو سايغ في الشرع المطَّهر وتحقيقه يحتاج إلى تمهيد مقدّمة وهي : إنا قد حقّقنا في الأصول أنّ الأحكام الشّرعية تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة وبيّنا هناك أنّ حكم الشّارع المقدّس بوجوب شيء أو حرمته من جهة أنه أدرك فيه حسنا ملزما واقعيا فحكم بوجوبه ، أو قبحا ملزما واقعيّا فحكم بحرمته ، خلافا للأشاعرة القائلين بأنّ الحسن والقبح إنّما هو تابع للأمر والنّهى وبأنّ الصّلاة مثلا إنّما هي حسنة لتعلَّق الأمر بها والكذب قبيح لتعلَّق النّهى عليه ، وأنّه لو نهى الشارع عن الأولى وأمر بالثّاني لكان الأولى قبيحة والثّاني حسنا ، وقد حقّقنا بطلان هذا المذهب وفساد هذا القول في الأصول بما لا مزيد عليه .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ حرمة الكذب إنّما هي من أجل ما فيه من المفسدة الواقعيّة ، كالضّرر على المخاطب أو غيره أو نحو ذلك ممّا قدّمنا ، وأقلّ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 148
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٤٨