جوابا ، ولا تأس على ما فاتك من الدّنيا فانّ قليل الدّنيا لا يدوم بقاؤه ، وكثيرها لا يؤمن بلاؤه ، فخذ حذرك وجد في أمرك ، واكشف الغطاء عن وجهك وتعرض لمعروف ربّك ، وجدّد التّوبة في قلبك ، واكمش في فراغك قبل أن يقصد قصدك ، ويقضى قضاؤك ، ويحال بينك وبين ما تريد ( فانّها عند ذوى العقول كفىء الظلّ بينا تراه سابغا حتّى قلص وزايدا حتّى نقص ) تخصيص ذوي العقول بالذكر من أجل أنّهم هم الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الظلماني الفاني إلى لبّ الوجود الرّوحاني النّوراني الباقي فشاهدوا بعيون البصاير ونواظر الضّماير سرعة زوال الدّنيا وانقضائها ، وعرفوا أنّ بقائها عين حدوثها وتجدّدها ووجودها نفس زوالها وفنائها ، وأمّا غيرهم فانهّم عن الذّكر لمعزولون ، وما هم مهتدون إن هم إلَّا كالأنعام بل أضلّ سبيلا ، هذا وتشبيه الدّنيا بفىء الظلّ من التشبيهات السّائرة في الأشعار والأخبار قال الباقر عليه السّلام لجابر الجعفي : يا جابر أنزل الدّنيا منك كمنزل نزلته تريد التّحوّل عنه ، وهل الدّنيا إلَّا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب ، ولا أحد يعبأ بها ، أو كثوب لبسته أو كجارية وطئتها ، يا جابر الدّنيا عند ذوي الألباب كفيء الظلال وعن العيون ، عن البيهقي ، عن الصّولى ، عن محمّد بن يحيى بن أبي عباد ، عن عمّه قال : سمعت الرّضا عليه التّحية والثّناء يوما ينشد شعرا
كلَّنا نأمل مدّا في الأجل
والمنايا هنّ آفات الأمل
لا يغرّنّك أباطيل المنى
والزم القصد ودع عنك العلل
إنّما الدّنيا كظلّ زايل
حلّ فيه راكب ثمّ رحل
ولبعضهم :
ألا إنّما الدّنيا كظلّ غمامة
أظلَّت يسيرا ثمّ حفّت فولَّت
وقال آخر :