وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك وقال الطبرسيّ في تفسيرها أي اختبر إبراهيم وهو مجاز وحقيقته أنّه أمر إبراهيم ربّه وكلَّفه وسمّى ذلك اختبارا لأنّ ما يستعمل الأمر منافي مثل ذلك يجرى على جهة الاختبار والامتحان فاجرى على امره اسم أمور العباد توسّعا ، وأيضا فانّ اللَّه لمّا عامل عباده معاملة المبتلى المختبر إذ لا يجازيهم على ما يعلمه منهم أنّهم سيفعلونه قبل أن يقع ذلك الفعل منهم كما لا يجازى المختبر للغير ما لم يقع الفعل منه ، سمّى أمره ابتلاء هذا ولمّا ظهر أنّ الدّنيا وما فيها إنّما خلقت لاختبار النّاس وابتلائهم لا بدّ وأن يكون همّتهم فيها مصروفة إلى ما هو محصّل للسّعادة في الآخرة حتّى يخلصوا عن قالب الامتحان ، ويستحقّوا الدّرجات الرّفيعة العليّة ، ولا يكون نظرهم مقصورا على عاجل زهراتها الخسيسة الدّنيّة ( ف ) انّ ( ما أخذوه منها لها اخرجوا منه وحوسبوا عليه وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه وأقاموا فيه ) ومن المعلوم أنّ العاقل لا يرجّح ما هي سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزّوال والفناء على ما هي دائمة البقاء خصوصا إذا كانت الفانية حقيرة خسيسة والباقية خطيرة نفيسة ، وذلك لأنّ خيرات الدّنيا حسيّة وخيرات العقبا عقليّة والعقليّة أشرف من الحسّيه بمراتب كثيرة لا سيّما إذا كانت الدّنيويّة محاسبا عليها مسؤولا عنها قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : في رواية الكافي فيما وعظ به لقمان ابنه : يا بنىّ إنّ النّاس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له وإنّما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا ، فأوف عملك واستوف أجرك ، ولا تكن في هذه الدّنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتّى سمنت فكان حتفها عند سمنها ، ولكن اجعل الدّنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدّهر أخربها ولا تعمرها فانّك لم تؤمر بعمارتها واعلم أنّك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي اللَّه عزّ وجلّ عن أربع : شبابك فيما أبليته ، وعمرك فيما أفنيته ، ومالك ممّا اكتسبته ، وفيما أنفقته فتأهّب لذلك وأعدّ له
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 392
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٩٢