تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
والتّقدير بين رؤيتك إيّاه زايدا ، وحتّى حرف ابتداء يعنى أنّها حرف يستأنف بعدها الكلام ، سواء كانت الجملة اسميّة أو فعليّة كقوله : حتّى يقول الرّسول ، بالرّفع . المعنى اعلم أنّ هذه الخطبة واردة في مقام التّزهيد عن الدّنيا والترغيب في الآخرة وفيها إشارة إلى كونها دار بلاء وفتنة ، وإلى أنّها قريبة الزوال سريعة الفناء فقوله ( ألا وإنّ الدّنيا دار لا يسلم منها إلَّا فيها ) تنبيه على أنّ السّلامة من شرور الدّنيا ومفاسدها وما يترتّب عليها من العذاب الأليم والنّكال العظيم لا تكون إلَّا في دار الدّنيا بالزّهد والرّياضات وبملازمة التّقوى والطاعات ، وذلك لأنّ التّكليف إنّما هو في دار الدّنيا ، والآخرة ليست بدار تكليف بل هي دار جزاء ، وبامتثال التّكاليف فيها يسلم من العقاب وينال حسن الثّواب كما أنّ بمخالفتها يحصل الشّقاوة ويستحقّ العقوبة . وإلى ذلك الإشارة في حديث الهيثم بن واقد الحريري « الجزري ظ » المروي في الكافي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : من زهد في الدّنيا أثبت اللَّه الحكمة في قلبه ، وأنطق بها لسانه وبصّره عيوب الدّنيا دائها ودوائها ، وأخرجه من الدّنيا سالما إلى دار السّلام ( و ) منه يعلم انّه ( لا ينجي بشيء كان لها ) بيان ذلك أنّ الدّنيا والآخرة ضرّتان متضادّتان فما هو للدّنيا مضادّ للآخرة فكيف يوجب النّجاة فيها كما أنّ ما هو للآخرة مضادّ للدّنيا ومضارّ لها ، ولذلك قيل : إنّهما ككفّتي الميزان بقدر ترجيح إحداهما تخفّ الأخرى وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ في طلب الدنيا إضرارا بالآخرة وفي طلب الآخرة اضرارا بالدّنيا ، فأضرّوا بالدّنيا فانّها أحقّ بالاضرار وقال اللَّه سبحانه : * ( الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ) *