مع أنّه قد ورد في أخبار كثيرة : لا تقولوا فينا ربا وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا وورد أنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلَّا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللَّه قلبه للايمان ، وورد لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله وغير ذلك فلا بدّ من المتديّن أن لا يباد ربردّ ما ورد عنهم من فضايلهم ومعجزاتهم ومعالي أمورهم إلَّا إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة ، انتهى كلامه رفع مقامه وهو كاف في تحقيق المقام وتوضيح المرام وما ذكره ( ره ) هي الجادّة الوسطى والنّمط الأوسط والصّراط المستقيم الذي ينبغي سلوكه والمذهب الحقّ الواجب أخذه ولزومه ، فالرّاغب عنه مارق واللَّازم له لاحق والمقصّر فيه زاهق وأما التفويض فالوارد في الأخبار الكثيرة المنع من القول به ، وقد أكثروا فيها من ذمّ المفوّضة وتكذيبهم والتّبرّى منهم ومن ذلك ذهب جمع من الأصحاب إلى نفيه والمنع من القول به ، ولكن الانصاف أنّ القول بالمنع مطلقا تفريط ، كما أنّ القول بثبوته مطلقا إفراط إذ الأخبار في طرفي المنع والثّبوت بالغة حدّ الاستفاضة لو لم تبلغ حدّ التواتر ، فالعمل بإحدى الطائفتين وطرح الطايفة الأخرى بالمرّة وإسقاطها عن درجة الاعتبار غير ممكن ، فاللازم الأخذ بكلّ منهما في الجملة ، ومقتضاه القول بالتفصيل في المسألة ويظهر ذلك برسم وجوه التّفويض فأقول وباللَّه التّوفيق إنّ التفويض عبارة عن تسليم الأمر إلى الخلق وردّه إليه ، وهو على وجهين أحدهما تفويض أمور الخلق إلى أنفسهم ، وهو الذي قال به القدرية ويقال لها المفوّضة أيضا ومحصّل ما ذهبوا إليه أنّ اللَّه أوجد العباد وأقدرهم على أفعالهم وفوّض إليهم الاختيار فهم مستقلَّون بايجادها على وفق مشيّتهم وارادتهم وطبق قدرتهم من دون أن يكون له سبحانه تأثير فيها بوجه من الوجوه ، وبإزاء هؤلاء الجماعة جماعة أخرى ذهبت إلى أن لا مؤثّر في الوجود إلَّا اللَّه فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا علَّة لفعله ولا رادّ لقضائه وهذان الفريقان واقعان في طرفي التّضادّ ، أحدهما يسمّى بالقدريّة والآخر
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 361
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٦١